الفداء_ ناديا المير محمود
قرابة أربعين قرية وتجمّعاً سكانياً في ريف حماة الشرقي، تجد نفسها اليوم محاصرة بين التغير المناخي وقسوة النص القانوني. القانون رقم (62) لعام 2006 الخاص بالبادية، المصاغ قبل عشرين عاماً لحماية التربة، بات اليوم يحظر على الكثير من العائلات فلاحة أرضها لتأمين علف مواشيها في مواجهة الجفاف، فهل يمكن لنص تشريعي جامد أن يصمد أمام واقع اقتصادي ومناخي متحرك في عام 2026؟ وكيف تحوّل خط الحماية إلى جدار يعطّل حياة الناس؟
قرابة 80 ألف دونم معطّلة و40 تجمّعاً سكانياً في مهب الحظر
في جرد ميداني للواقع السكاني والزراعي المتأثر بالقانون، يوضح رئيس بلدية القسطل محمد العبيد لصحيفة الفداء، حجم الضرر الواقع على المجتمعات المحلية، قائلا:
”تعاني من قرار منع الفلاحة والزراعة في البادية، حوالي 40 قرية ومزرعة، وتقدر المساحة المتأثرة بحوالي 200 هكتار (بواقع 70 إلى 80 ألف دونم). هذه المساحة لا تشكّل سوى جزءاّ بسيطاّ جداً مقارنة بمساحة البادية الإجمالية”.
ويضيف العبيد، أن حدّ الفلاحة الحالي الممتد من منطقة “ظهر فخر” باتجاه الشرق، يفرض حظراً كاملاً، في حين أن الحل يكمن في اعتماد خط نظر يمتد من “رسم الكندوش/البسة” باتجاه الغرب بمسافة 15 كيلومتراً، حيث يغطي هذا المقترح كافة التجمعات السكانية والقرى، ويحلّ المشكلة الجارية.
ويشير رئيس البلدية، إلى أن القرى مثل قرية “الطهاميز” التي لا تتجاوز مساحتها 2000 دونم، تعتمد على زراعة مادة الشعير كموسم أساسي، يمثّل الرديف والغذاء الجوهري للثروة الحيوانية (كعلف وتبن)، لافتاً إلى أن الأهالي كانوا يزرعون الخضار الشتوية والصيفية بتقنيات الري الحديث بالتنقيط، ما حقق لهم اكتفاءً ذاتياً وإنتاجية عالية رغم قلة المساحات.
من جانبه، يؤكد أحد المهتمين بشؤون الزراعة عصري شحادة الخلف، أن المنطقة الممتدة من طهماز شمالاً، حتى الروضة، تضم 40 قرية ورسماً متقارباً (بمسافات تتراوح بين 1 إلى 2 كم بين القرية والأخرى)، منها الشيخ هلال، اليتنة، المكسارة، جب عايد، أبو الفشافيش، أبو كهف.
ويوضح الخلف التلازم بين الفلاحة وتربية الماشية بقوله:
”الفلاحة وتربية الثروة الحيوانية متلازمتان وتكملان بعضهما. سابقاً، كان مربو الأغنام يعتمدون على رعي المزروعات في فصل الشتاء من الشهر الـ12 حتى شهر آذار، ثم يُمنع الرعي حتى الحصاد لتأمين الشعير والتبن صيفاً. والأهالي يدفعون أجور ضمان هذه الأراضي للدولة منذ عام 1957 وحتى عام 2010.
الملكيات التاريخية والمخالفات المليونية
يرتفع منسوب المعاناة عند الحديث عن الملكيات المسجلة رسمياً، إذ يروي خبير الزراعة واستصلاح الأراضي من أهالي القسطل أحمد مخلف الخالد، تفاصيل الأزمة القانونية قائلاً:
”مساحة أراضي قريتنا (القسطل الوسطاني والشمالي) تبلغ نحو 6820 دونماً، وهي طابو أميري أخضر ملك لنا بموجب منذ عام 1963، وقد كلفتنا عمليات التطويب مبالغ طائلة قانوناً، ومع ذلك نحن ممنوعون من فلاحتها أو زراعتها”.
ويكشف الخالد عن واقع الإجراءات الردعية الحالية: “هذا العام زرعت 5 دونمات فقط، فتم تنظيم مخالفة بحقي بقيمة 500 ألف ليرة سورية عن كل دونم. المنع يمتد لحظر حفر الآبار الإرتوازية، ومخالفة أشجار الزيتون المزروعة منذ عام 1980، ومنع بناء أية منازل جديدة، مما يعطل عودة الأهالي إلى منازلهم”.
معايير عمرها عقدان أمام اختبار 2026
تضع هذه المعطيات، كفاءة المعايير العلمية القديمة في سياقها المناخي الحالي تحت المجهر. وحول القيمة البيئية لمنع الفلاحة، توضح رئيس دائرة سلامة الموارد الطبيعية في مديرية البيئة بحماة المهندسة سوسن الحمود لصحيفة الفداء، أن الحظر يستند علمياً إلى مبدأ حماية النظم البيئية الرعوية الهشة ذات الغطاء النباتي المحدود وسريع التأثر بالحراثة، بهدف تثبيت التربة والحدّ من الانجراف.
وتستدرك المهندسة الحمود قائلة:
”في الواقع، أثبتت التجربة أن الحظر وحده لا يكفي، فغياب الإدارة المتكاملة للمراعي، وضبط الرعي الجائر، حدّ من فعالية هذه السياسات.
القرار ساهم جزئياً في الحدّ من تدهور التربة الناتج عن الحراثة، لكنه لم يحقق أهدافه بالكامل في وقف التصحر، لكونه عملية معقدة تتداخل فيها عوامل مناخية مثل تراجع الأمطار، والضغط الرعوي المتزايد”.

كما أظهرت تحليلات صور الأقمار الصناعية، الصادرة عن الهيئة العامة للاستشعار عن بعد، تراجعاً بكثافة الغطاء النباتي، وتحولاً من نباتات معمّرة إلى نباتات موسمية أقل استقراراً”.
وتخلص المهندسة الحمود، إلى نتيجة تفيد بأن: “المعايير المناخية التي بُني عليها تصنيف مناطق الاستقرار قبل نحو عقدين لم تعد كافية علمياً، مما يجعل من الضروري إعادة تقييمها كلياً لتلائم الظروف الحالية”.
محاذير كسر الأرض والخيارات التنظيمية المطروحة
على الجانب التنفيذي المسؤول عن إدارة هذه المساحات، يبيّن رئيس مركز سلمية للهيئة العامة لإدارة وتنمية وحماية البادية أيهم الحموي للفداء، المحددات الفنية والقانونية التي تحكم المنطقة. وبخصوص المطالب بتعديل خط البادية، لتلبية احتياجات المربين في ظل ارتفاع تكاليف الأعلاف، يقول الحموي:
“كان هناك مقترح لتمديد الخط مسافة تتراوح بين 7 إلى 10 كم نحو الشرق، نظراً لوجود تجمّع سكاني كبير مقارنة بعمق البادية. لكن احتياجات المربي بحاجة لدراسة عميقة وعلى المدى الطويل، لأن المعدل المطري في البادية لا يتجاوز 150 إلى 200 ملم سنوياً، وهو غير منتظم، مما يؤثر مباشرة على الإنتاجية”.
وعن أسباب الاعتماد على العقوبات الردعية، كالمصادرة، والحبس، والغرامات، كخيار أول، بدلاً من البدائل الاستثمارية، يوضح رئيس مركز سلمية أن الهدف هو ردع الرعي الجائر الذي يؤدي لتدهور الغطاء النباتي، وانتشار النباتات الغازية غير المستساغة للحيوانات. مؤكداً أن تقديم بدائل زراعية يستدعي كسر وفلاحة التربة في ظل هطولات مطرية قليلة ومتفرقة، مما يجعل المواسم سيئة باستثناء سنوات الفيضانات.
وحول الملكيات الخاصة والتعويضات، يحسم الحموي الموقف القانوني الحالي:
“لا توجد خطة حالياً للتعويض، والأراضي تعتبر أملاك دولة بموجب القانون بغضّ النظر عن الملكيات”.
أما بالنسبة للمانع الفني من منح “تراخيص مؤقتة” لزراعة الشعير في السنوات الماطرة، يشير الحموي إلى وجود 66 رخصة قديمة ببادية حماة، (15 بئراً كهربائياً و51 ديزل) مرخصة سابقاً من الموارد المائية، مؤكداً أن المانع من التوسع هو تجنب “كسر الأراضي”. ويشرح المصطلح فنياً، بأن كسر الأرض بالفلاحة يؤدي إلى تدهور وانقراض أغلب النباتات الرعوية المستساغة مثل (الروثة وأنواع الرغل) وانتشار نباتات غازية لا تأكلها الماشية مثل (الحرمل والشنان)، فضلاً عن استنزاف المياه السطحية.
البدائل العلمية المطروحة لمواجهة جمود النص
تفتح هذه الفجوة بين النص التشريعي والواقع الاقتصادي الباب أمام حلول وسطية، تضمن استدامة الموارد دون سحق المجتمعات الرعوية.
وفي هذا السياق، تؤكد المهندسة سوسن الحمود، أن المشكلة لا تكمن في مبدأ الفلاحة، وإنما في نمطها العشوائي، مشيرة إلى وجود نماذج علمية ناجحة كالزراعة الحافظة، وزراعة محاصيل علفية مقاومة للجفاف، وإدخال شجيرات رعوية تدعم الغطاء النباتي.
وتستشهد الحمود بتجارب المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة، والتي أثبتت أن دمج الزراعة المحدودة مع الرعي المنظم، يحقق التوازن المطلوب بين الإنتاج وحماية التربة، وتأمين دخل المربين، معتبرة أن البديل الواقعي هو “الفلاحة المنظمة والمقيدة بيئياً” وليس المنع المطلق.
أما بشأن إمكانية الاعتماد على الري الحديث كحل شامل، فتحذر الحمود من محاذير تقنية مبنية على دراسات البنك الدولي لإدارة المياه، حيث يواجه تطبيق الري بالتنقيط في البادية معوقات حرجة، منها: محدودية الموارد المائية الجوفية، وخطر استنزافها المتسارع، وارتفاع معدلات التبخر التي تسرّع عملية تملّح التربة. إضافة إلى الكلفة الاقتصادية المرتفعة للطاقة والتشغيل.
بناءً عليه، توصي مديرية البيئة، بحصر تقنيات الري في نطاق الري التكميلي، وضمن مشاريع حصاد مياه الأمطار فقط، دون تحويل البادية إلى أراض زراعية مفتوحة.
القانون بين حماية البادية وخسارة السكان
وفي قراءة قانونية واجتماعية لنتائج تطبيق القانون، يطرح مختصون رؤى لتحديث آليات إدارة البادية بما يوازن بين حماية البيئة واستقرار السكان.
وفي حديثه لصحيفة الفداء، يرى القاضي المستشار ممدوح الخليل، رئيس محكمة الاستئناف المدني الثانية في حماة، أن القانون رقم 62 لعام 2006، حقق جانباً من أهداف حماية البادية السورية من التدهور البيئي، والرعي الجائر، والاحتطاب العشوائي، لكنه في المقابل فرض قيوداً مشددة انعكست سلباً على سكان البادية والمنطقة الشرقية من حماة، الذين يعتمدون أساساً على تربية الأغنام والزراعات البعلية والمروية بشكل محدود.
ويوضح الخليل، أن منع الرعي والفلاحة في مساحات واسعة، من دون توفير بدائل اقتصادية حقيقية، أدى خلال سنوات الجفاف إلى تراجع كبير في الثروة الحيوانية، كما ساهم منع حفر الآبار وصعوبة الحصول على التراخيص، في تعطيل المشاريع الزراعية، ودفع كثير من الأهالي نحو الهجرة الداخلية.
وفي مقارنة علمية بين عام 2006 واليوم، تكشف رئيس دائرة سلامة الموارد الطبيعية عن تبدلات مناخية جوهرية:
”تشير البيانات المناخية في البادية السورية، بما فيها ريف حماة الشرقي، إلى تراجع نسبي في معدلات الهطول المطري منذ تسعينيات القرن الماضي، مع ازدياد ملحوظ في التذبذب السنوي بين سنوات جفاف متتالية، ومواسم مطرية قصيرة وشديدة.
ويعتبر أن القانون، رغم نجاحه نسبياً في حماية البيئة، لم يحقق أهدافاً اقتصادية، أو اجتماعية ملموسة، داعياً إلى إعداد تشريع حديث يصاغ بالتشاور مع مختصين في الشؤون الزراعية، والبيئية، والاقتصادية، ويوازن بين حماية البادية واحتياجات السكان.
ويقترح في هذا الإطار، السماح ببيع جزء من الأراضي القريبة من التجمعات السكانية ضمن ضوابط واضحة، وتأجير مساحات أخرى لأغراض الزراعة، والرعي، والمشاريع الاستثمارية، إلى جانب إعداد خرائط تنظيمية تحدد المناطق المسموح باستثمارها، وإنشاء سدود لحصاد مياه الأمطار، وفتح مناطق رعي وزراعة منظمة، والسماح بحفر آبار مراقبة ومدروسة، وإقامة مشاريع للطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل الغطاء النباتي، بما يحول المنطقة إلى بيئة منتجة ومستقرة، اقتصادياً واجتماعياً.
قراءة في بنود القانون (62)
يحدد القانون رقم (62) لعام 2006، الإطار القانوني لإدارة واستثمار أراضي البادية السورية، واضعاً قيوداً واسعة على التملك، والتصرف، والاستثمار، ضمن هذه المناطق. وتنص المادتان الأولى والثانية على اعتبار أراضي البادية “أملاك دولة خاصة”، مع إلغاء أي أثر قانوني لوضع اليد السابق لصدور القانون، وعدم ترتب أي حق بالتصرف أو التعويض، إضافة إلى وقف النظر في دعاوى تثبيت الملكية الشخصية وتحويل تسجيلها باسم الدولة.
وفي المقابل، حصرت المادتان الثالثة والرابعة الاستثناءات من هذا الحظر في حالات محددة، شملت العقارات المثبتة بقرارات قضائية مبرمة، أو سجلات عقارية سابقة لتاريخ 20 تموز 1970، وأراضي الإصلاح الزراعي، والعقارات الواقعة ضمن المخططات التنظيمية، إضافة إلى المساحات التي يقرر مجلس الوزراء استثناءها لأغراض استثمارية.
أما على مستوى الاستثمار الزراعي، فتمنع المادة الخامسة فلاحة وزراعة أراضي البادية غير المروية، وتحصر استخدامها في الرعي والتحريج، بينما عرّفت المادة (11) الأرض المروية بأنها الأراضي المستفيدة من مشاريع ري حكومية، أو آبار مرخصة أصولاً.
كما نصت المادة الثامنة على فرض غرامات مالية بحق المخالفين عن كل دونم تتم فلاحتُه أو زراعتُه أو الاحتطاب منه، مع إتلاف المزروعات المخالفة، وحجز الآليات والحيوانات المستخدمة وبيعها بالمزاد العلني وفق نسب توزيع محددة قانوناً.
يتلخص التحدي الميداني اليوم في ريف حماة الشرقي بوجود شقين: الأول بيئي يرتبط بتراجع معدلات الأمطار وتغير بنية الغطاء النباتي، والثاني اقتصادي يتعلق بحاجة التجمعات السكانية (التي تشغل نحو 80 ألف دونم) لتأمين الأعلاف وموارد العيش.
هذا التوازن المفقود يفرض مراجعة نموذج “المنع المطلق”، والاتجاه نحو “إدارة بيئية متكاملة”، تسمح باستغلال نطاقات محددة حول القرى بين 7 إلى 10 كيلومترات وفق مخططات توجيهية مدروسة، تضمن حماية التربة، وتؤمّن في الوقت نفسه احتياجات السكان المحليين كعامل استقرار في المنطقة.

#صحيفة_الفداء