عندما كنتُ أعمل في إحدى الدول العربية, متعاقداً مع وزارة التربية للتدريس في مدارس الدولة المضيفة، طُلب مني أن أفتح حساباً في أحد البنوك المعتمدة داخل الدولة من أجل تحويل راتبي الشهري, وقام البنك بتسليمي بطاقتي صرّاف, إحداها محلية أي داخل الدولة والأخرى عالمية يمكن استخدامها داخل وخارج الدولة حيث يوجد فروع للبنك في أية دولة من دول العالم. وهكذا ومع أول كل شهر كان الراتب يودع لدى البنك . وأمّا عمل الصّراف الآلي فهو دائم على مدار الأربع والعشرين ساعة وفي كلّ الأيّام, فالصرّاف لايخضع للعطل الرسمية أو أي شيء يمنع عمله. كما يمنح المستفيد دفتر شيكات مجاني يمكنه استخدامه في أيّة ظروف, كما تبنت الشركات التجارية استخدام بطاقات الصرّاف في تحصيل ثمن البضاعة التي يشتريها المستفيد مهما كان المبلغ بشرط وجود رصيد كافٍ للمستفيد.
وبعد سنوات عدت إلى بلدي سورية, وأتممت سنوات خدمتي في التعليم لأحال على التقاعد ويصبح راتبي التقاعدي على الصرّاف الآلي بعد أن دخلت خدمة الصرّاف في البنوك الحكومية وغير الحكومية داخل سورية. لا أخفيكم أنّني كنت متفائلاً بهذه الخدمة الحضارية التي تنتشر في كلّ أنحاء العالم وتوفّر الوقت والجهد على الدولة والمواطنين, فالتكنولوجيا صارت عصب الحياة في هذا العصر, ويرتبط العالم ببعضه من خلال تقنيات الشابكة العنكبوتية , ولكنّ شعور التفاؤل ومن أوّل تجربة مع الصرّاف الآلي اصطدم باليأس وأنا أرى جمهور المتقاعدين يقفون في طوابير طويلة ينتظرون دورهم في قبض رواتبهم التي لاتكفي ثمن دواء لأكثرهم. هذا شيء, والأنكى منه كثرة تعطّل الصرّاف وتوقّفه عن العمل بسبب انقطاع الشبكة أو الكهرباء وهكذا يحتاج المستفيد من هذه الخدمة إلى زيارة الصراف لمرّات ومرّات كي يستطيع سحب راتبه, لا أدري كم تكون تكلفة الصرّاف الآلي على البنك حتّى يبخل على الناس وأكثرهم تجاوزوا الستين من العمر , كي يزرع في كلّ تجمع سكاني عدداً من أجهزة الصرّاف الآلي . في مدينتي سلمية صرّاف واحد لمصرف التسليف الشعبي وهو صرّاف قديم ومستهلك يعمل قليلاً ويتوقف طويلاً , ويتوقف عن العمل في أيّام العطل لأسباب لا يعلمها إلاّ الله والعاملون في البنك!
لقد أصبحت خدمة الصراف الآلي نقمة على أولئك الذين يتعبون من الوقوف أمامه لساعات، رفقاً بأولئك الذين قضوا عمرهم في خدمة المجتمع ، فأين التكريم الذي انتظروه في نهاية خدمتهم ؟ وفهمكم كافٍ!
فائق موسى