يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حماة
طباعةحفظ


الطللية الجاهلية.. لحظة الشعر الأولى (1 ـ 3)

رضوان السح
ثقافة
الخميس: 31-5-2012
إن دافعي المباشر لإنجاز هذه الدراسة كان وليد اطلاعي على كتاب في النقد لواحد من نقادنا المعاصرين هو الأستاذ يوسف اليوسف, والكتاب هو «مقالات في الشعر الجاهلي» وأخص بالذكر البحوث المتعلقة بالطللية الجاهلية, وقد جاءت عبر دراستين:

« اللحظة الطللية في القصيدة الجاهلية» و «نظريتنا في الطللية» وسنقف عند هاتين الدراستين متأملين حصيلة ما جناه اليوسف ووسمه بالنظرية, ساعين إلى ملامح نظرية أخرى عبر رؤية تحليلية جديدة تصل بنا إلى تقليل وتفسير جديدين, وإن كان الأمر لايخلو من نقاط تقاطع مع الرؤى السابقة سواء تلك التي عرضها اليوسف, أم تلك التي تعرّض لها بالنقد وهي التفسيرات الخمسة المعروضة في كتاب «مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي» لحسين عطوان, وهي لابن قتيبة والمستشرق الألماني فالتر براونة وعز الدين اسماعيل ويوسف خليف وأخيراً تفسير صاحب الكتاب حسين عطوان.‏

بداية نبدي تعاطفنا مع تفسيري ابن قتيبة وفالتر براونة, ونهمل تفسير عز الدين اسماعيل لتقاطعه كثيراً مع رأي براونة, ونهمل تفسير خليف لسذاجته حيث يرى في المقدمات الطللية حلاً لمشكلة الفراغ, وكأن الوقوف على الرسوم الدوارس كان للتلهي وتزجية الوقت.‏

ونهمل تفسير عطوان لإغراقه في التبسيطية, فالمقدمات الطللية كانت «ضرباً من الذكريات والحنين إلى الماضي» وهذا لايتجاوز حدود وصف الظاهرة.‏

إننا نلتقي مع ابن قتيبة في أن الشاعر الجاهلي إنما يلجأ إلى النسيب ليميل نحوه القلوب, ويصرف إليه الوجوه وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه...‏

«كتاب حسين عطوان ص /214/».‏

ويعترض اليوسف على هذا التفسير لأن دافع اللجوء إلى النسيب برأيه هو بسبب أن الجنسية هي أشد دوافعه (أي الشاعر) حاجة إلى التلبية»(1) ونحن لانرى في التفسيرين إلا وجهين لعملة واحدة, والخلاف إنما نشأ لحذف طبيعة الفن.. فالفن الذي يجذب نفوسنا إنما هو المعبر عن أشد دوافع الفنان حاجة إلى التلبية.‏

أما فالتر براونة فنلتقي معه في تفسير الطللية بالموقف الوجودي وذلك في مقالة بعنوان : «الوجودية في الجاهلية» نشرت في مجلة المعرفة السورية (حزيران ـ 1963).‏

فموضوع النسيب عند براونة هو الموضوع الذي حرك الإنسان في كل زمان, وهذا الموضوع هو اختبار القضاء والفناء والتناهي, فهنا تعبير عن التشاؤم ومخاوف الوجود وخوف الفناء والتناهي.‏

ويأخذ يوسف على براونة هذا التفسير لابتعاده – برأيه – عن أخذ الواقع بعين الاعتبار فنعجب للسذاجة التي يتساءل بها يوسف اليوسف : «ترى لو كان عبيد بن الأبرص مواطناً في ألمانيا التي تجودها الأمطار خلال العام كله أفكان ثمة مبرر لأبياته هذه؟» (2).‏

وأبيات ابن الأبرص هي :‏

أقفر من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب‏

إن بدلت أهلها وحوشا وغيرت حالها الخطوب‏

أرض توارثها شعوب وكل من حلها محروب‏

إما قتيلا وإما هالكا والشيب شين لمن يشيب ولا أدري لماذا يستغرب اليوسف ويتساءل هذا التساؤل مع أن القلق الوجودي يشمل الإنسانية جميعاً إلا أن حدته تقوى وتضعف حسب الواقع كما أن هذا القلق يكون مصبوغاً بصبغة الواقع فوجودية طرفة بن العبد العربي الجاهلي هي بالتأكيد غير وجودية سارتر الفرنسي المعاصر.‏

فالوجودي يعبر عن معاناته الوجودية من خلال عناصر واقعه الخاص وابن الأبرص لايشكو شكوى واقعية من قلة المطر إنما يعرض مكابدة أمام أفاعيل الدهر:«والشيب شين لمن يشيب».‏

إن يوسف اليوسف يشدد على مسألة الواقع في تفسير الظاهرة الطللية ليخلص إلى نتيجة مفادها أن الطللية نتاج عناصر ثلاثة:‏

«القمع الجنسي ـ الاندثار الحضاري ـ قحل الطبيعة» (3)‏

ونتيجة اليوسف لاتتعارض مع الموقف الوجودي وإنما تكمله من خلال النظر إلى المسألة من زاوية أخرى, فالقمع الجنسي هو الدافع للنسيب, وتميل الاسماع ـ على رأي ابن قتيبة ـ للدافع ذاته فالقمع هو معاناة الشاعر والسامع أيضاً , أما قحل الطبيعة والطبيعة الرعوية للمجتمع فهما اللذان منحا الطللية عناصرها الموضوعية حيث يرتحل القوم ومعهم الحبيبة ويحدث الفراق , وتظهر آثار الديار التي تشعل الذاكرة بالصور, وتكوي الفؤاد بالحنين, وتوحي بعد ذلك بالتلاشي والفناء والاندثار فيطفح الشعور الوجودي.‏

الاندثار الحضاري:‏

أما الاندثار الحضاري فهو العنصر الجديد الذي جاءت به نظرية يوسف اليوسف المفسرة لظاهرة الأطلال, وهو بؤرة النظرية, ويعني أن الشاعر الجاهلي في (لا شعوره الجمعي) إنما هو حزين في طلليته لأنه افتقد حضارة.‏

وربما نشأ هذا التقليد ـ في حدس اليوسف بعد «خراب سد مأرب, أو من خراب الحضارات التي ازدهرت فعلاً في أماكن شتى من جزيرة العرب»(4).‏

إن غياب الحضارة بمفهوم أوسع من هذا المفهوم يشكل ـ لاشك ـ سبباً إضافياً هاماً لتعليل الظاهرة الطللية, أما ضمن هذا المفهوم فإننا نطلب ولو تلميحات بسيطة من حنين الشاعر الجاهلي لإحدى هذه الحضارات.. ولكن هذا الأمر نفتقده تماماً في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه قوي السطوع لكي تبنى عليه نظرية تأخذ منه سبباً أساسياً في تفسير ظاهرة الوقوف على الأطلال.‏

واليوسف يسعى هذا المسعى لأنه يتعذر عليه «تفسير الظاهرة الطللية كحالة فردية تخص هذا العضو أو ذاك من أعضاء المجتمع»(5).‏

إذا لم تكن الطللية بكاء على حضارة درست فهل هي بالضرورة تعبير عن حالة فردية؟!. لا أعتقد ذلك, فليس الحنين لحضارة دارسة ـ المشكوك بوجوده ـ هو الرابط الأوحد بين الجاهليين فيما يخص الطللية, فهم يشتركون في قحل الطبيعة والبيئة الرعوية والقمع الجنسي والقلق الوجودي.‏

ولإصرار اليوسف على إبراز عنصر جديد لتعليل الظاهرة وهو الاندثار الحضاري راح يتمحل ويلوي بأعناق الأبيات الطللية ليقولها مالا تقول, ويحملها مالا تطيق, فيأتي بما لم نعتده وهو المعروف برهافة ذوقه في قراءة النصوص ودقة محاكمته.‏

فيرى أن عبارة «فلأيا عرفت الدار بعد توهم» هي بديل منطقي (وكذلك تعبير شاعري) عن أن يقول بأن الدار قد آلت إلى الاندثار بحيث بات من المتعذر تحققها إلا بعد التنقيب الأثري المكدود فكأنما هو عالم آثار ينقب عن مدينة بائدة»(6).‏

وحول الظعن يقول: «الظعينة ذات صلة بالرحيل وعدم الاستقرار وبذلك تخفي وراءها الحاجة إلى الانصياع الحضاري المستقر... فكأنما هناك علاقة تضايف بين أطلال الحضارة وتشرد السكان»(7).‏

ويعلق على هذا البيت:‏

فلما وردن الماء زرقاً جمامه وضعن عصي الحاضر المتخيم‏

بقوله: «إن الجاهلي يفهم الماء على أنه أصل لا لكل حياة وحيوية فحسب بل على أنه منشأ الحضارات, وهذا ماحدا بالشاعر المتطلع ضمناً نحو ازدهار حضاري إلى إقرار ظعنه حول الماء»(8).‏

ولا أملك هنا الآن إلا الدهشة : لو لم يدرك الجاهلي ذلك أما كان سيصل إلى إقرار ظعنه حول الماء؟!.‏

ويقرأ بعد ذلك في صور النباتات النامية على الأطلال والحيوانات التي اتخذت بيوتها بين الحجارة صورة للخصب المقابل للقحط والدمار حيث يرى تضاداً بين الأبيات الثلاثة الأولى والستة اللاحقة من طللية لبيد.‏

عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها‏

ومن الأبيات الستة:‏

فعلا فروع الأيهقان وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها‏

فالشاعر ـ على رأي اليوسف ـ «يطرح الخصب كبديل عن القحل» ويقول :‏

«إن صور الإخصاب جميعاً هي حاجات الشاعر الذي تكلم بلسان الجاهلية كلهم.. أو هي الممكنات المطلوبة والمطروحة كتخط لما هو قائم»(9).‏

وواضح أن الأمر ليس كذلك, وليس ثمة تضاد بين صورتين, وإنما الأبيات التسعة صورة واحدة نامية باتجاه الإغراق في الحزن والغربة حيث الشعور بالعدم والفناء, وليست مظاهر الخصوبة إلا توغلاً أكثر تأكيداً للشعور المأساوي للوجود.‏

فما النباتات التي طالت والوحش التي توالدت سوى عضة القلب لطول الفترة المنقضية على رحيل أصحاب الديار, فيكون ما رآه اليوسف نقيضاً وخصوبة ليس أكثر من إيغال في الشعور المأساوي, وهو بيت القصيد.‏

إن هذه الآراء جميعاً لليوسف ولمن سبقه في تفسير الطللية لم تأخذ بعين الاعتبار تعليل الطللية كظاهرة فنية, وإنما ذهبت فيها مذاهب التفسير لظاهرة اجتماعية, وباستثناء ابن قتيبة الذي نظر إليها من زاوية ترويج الصانع لبضاعته.‏

ولا شك أن الظاهرة الفنية لها دلالاتها وأسبابها الاجتماعية ولكن ينبغي ألا يجعلنا ذلك ننسى القوانين الداخلية للفن نفسه.‏

لابد من بحث طبيعة هذا الفن تقنيته مكانته غاياته والنظر إلى الأسباب ما أمكن.‏

ينبغي أن نسأل مثلاً : لماذا وجدت الطللية في بداية القصيدة وليس في آخرها, أو لماذا لم توجد بشكل عشوائي؟ ولماذا لم تخل القصيدة؟ ثم ماهي الطللية؟ فإذا كانت غزلاً فالغزل معروف عند جميع الأمم, وإذا كانت في وصف الراحلة والصيد, فموضوعها لاتخلو منه بيئة رعوية متنقلة, وإذا كانت في قلق الوجود, فإن ذروة هذا القلق في هروب الأيام واقتراب المنية, فموضوع شهده كل زمان ومكان.‏

ولذلك لا أرى اليوسف محقاً في تساؤله: «لماذا لم تظهر الطللية في شعر الأقوام البدائية التي يسودها نمط الإنتاج الرعوي»(10).‏

إلا إذا كان يعني بالطللية هذا الشكل الفني الذي عرفته الجاهلية العربية تحديداً, وعند ذلك نستطيع أن نتساءل ببساطة « لماذا لم يعرف غير العرب الجاهليين, من البدائيين الرعويين, الشعر العربي الجاهلي!!.‏

الإحالات في الحلقة الأخيرة‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

دمشق

الطقس في دمشق

حلب

الطقس في حلب

اللاذقية

الطقس في اللاذقية

تدمر

الطقس في تدمر

 

دير الزور

الطقس في دير الزور

 

 

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية