يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حماة
طباعةحفظ


الشعر والشعراء... في محاورات أفلاطون -إيون .. أنموذجاً-

ثقافة
الأربعاء:24-6-2009
مظهر الشاغوري

تميز عصر الفلاسفة «سقراط وأفلاطون وأرسطو» بأنه العصر الذهبي في بلاد اليونان الذي تأثر به نقاد الغرب...

أما أفلاطون فأكثر ماتركز نقده الأدبي والفني في «محاوراته» مثل »إيون أو عن الالياذة» و«الجمهورية» و«بروتاجوراس» وقد هاجم أفلاطون الشعر والشعراء، واعتبر الشعر ضاراً بالأخلاق «في جمهوريته» حيث لافائدة منه لأنه لايوصلنا إلى الحقيقة التي هي غاية وجوهر مايبحث عنه الفلاسفة... ولعل السبب في ذلك ليس الشعر نفسه الذي ظلمه أفلاطون وإنما هو التدهور السياسي الذي أصاب «أثينا» في فترة من الفترات ماانعكس على الشعر الذي أصبح تقليداً ، غلب عليه التصنع والافتعال والابتذال... تماماً مثلما حدث له في عالمنا العربي في مرحلة سموها «بعصر الانحطاط» ..‏

ولم يكن الشعر الدرامي بنوعيه التراجيدي والهزلي بأقل انحداراً وهبوطاً، وهذا ماجعل «أرسطو فان» كاتب المهازل في القرن الخامس ق.م يرسل رسولاً إلى العالم الآخر ليحضر معه إلى الأرض فطاحل المأساة الثلاثة «أيسخولوس وسوفكليس ويوروبيديس» بعد أن وصلت المأساة بعدهم إلى الزوال، أو إلى أحط الدرجات، وهذا مافعله أرسطو فان في كوميديته الشهيرة «الضفادع» التي عقد فيها موازنة نقدية بين شعراء المأساة الثلاثة ووضع أشعار كل منهم في الميزان.‏

وكان أفلاطون في حواره ومحاوراته ومنها «محاورة إيون» يعتمد على «السؤال والجواب» وتوليد الأفكار، تماماً مثلما كان يفعل أستاذه «سقراط» الذي كانت أمه «قابلة» تولّد الأطفال، وهو فيلسوف يولد الأفكار ..‏

وما «إيون» في محاورة أفلاطون التي يجري فيها حواراً بين أستاذه «سقراط» وبين «إيون» إلا ذلك المنشد الذي يروي الأشعار للناس في الأماكن العامة بعد أن يعتلي منصة مرتفعة، ويشرح، ويفسّر كلام وأفكار الشعراء.... وهو فوق ذلك بمثابة المحلل والناقد إن جاز لنا هذا التعبير...‏

سقراط- «كم حسدتكم أنتم معشر المنشدين على فنكم ... لأن فنكم يتطلب منكم دائماً أن تزينوا أنفسكم، وتظهروا محاسنكم مااستطعتم...‏

وهو يحتم عليكم أن تشغلوا أنفسكم بدراسة طائفة كبيرة من خيرة الشعراء وخاصة «هوميروس» أفضلهم وأوفرهم إلهاماً... ولا يفرض عليكم فنكم أن تحفظوا أشعاره فحسب، بل يفرض عليكم أن تفهموا أفكاره أيضاً.. وهذا أمر يدعو إلى الحسد! ذلك أنه لايمكن لامرئ أن يصبح «منشداً» إذا لم يفهم كلام الشاعر»...‏

إيون- صدقت ياسقراط... لأن هذا الجزء من فني هو الذي أتعبني كل التعب‏

................................‏

وفي المحاورة تبرز مسألة على غاية من الأهمية، ألا وهي «مسألة النقد» والحكم على الشعراء، وتتجلى بأن الذي يستطيع أن يحكم على الشعراء المجيدين ممن يروقونه ويأسرونه- يستطيع نفسه أن يحكم ويفند الأسباب عن قصور الآخرين غير المجيدين ممن لايستهوونه...‏

فحين يصرح «إيون» لسقراط بأنه لايأبه إلا لأشعار «هوميروس» التي تبعث فيه النشوة وتحرك لسانه، أما الآخرون فإذا ماتحدث متحدث أمامه عن واحد منهم تأخذه في الحال سنة من النوم... حتى إذا ماذكر «هوميروس» يصحو في الحال، وينطلق لسانه نقول حين يصرح إيون بذلك يجيبه سقراط:‏

«إن الذي سيحكم على من يجيد الكلام هو نفسه الذي سيحكم على من لايجيدونه أما إذا لم يعرف من لايجيد الكلام، فلا شك أنه لن يعرف من يجيده».‏

وكأن بأفلاطون يقول هنا: إن الذي لايمتلك أحاسيس اكتشاف القبح في شعر شاعر ... لايمتلك اكتشاف أحاسيس الجمال في شعر غيره.‏

وكأنه يجعل «إيون» يقف عند شعر «هوميروس» الذي فعل فيه مايفعله السحر دون غيره من الشعراء ويفضله عليهم جميعاً هو واضع حجر الأساس للمدرسة النقدية «التأثيرية» التي يعتمد الحكم فيها على أحاسيس الناقد الذاتية والتي عرفها الفن والأدب فيما بعد.‏

أما الشعر عند أفلاطون فلم يكن إلا نتيجة «وحي وإلهام» حين تحل في أجساد الشعراء ربة الشعر، وهم في حالة غياب تام عن الوعي والعقل.‏

فهو لايصدر عن دراية أو «فن» ... وما الشعراء إلا مترجمون عن الآلهة، وأما «المنشدون» فهم ناقلون عن الناقلين، وفي هذا يقول سقراط لإيون:‏

- «إن براعتك في الكلام عن هوميروس، لاتعزى إلى فن لكنها تأتيك من قوة إلهية تحركك، وهي كالتي سماها «يوروبيديس» «مغناطيسي».‏

وعلى الرغم من تهجم أفلاطون على الشعر والشعراء سمح في «جمهوريته الفاضلة» بالاستعانة بالشعر فقط، في المرحلة الأولى من مراحل التعليم «لصقل الخلق» لاأكثر.... أمابعد ذلك فإنه لايصلح لخلق المواطن الصالح في جمهوريته الفاضلة.‏

وتمر الأيام ويأتي «أرسطو» تلميذ أفلاطون ليرد على أستاذه بأن الشعر صنعة وفن ومحاكاة، وليس إلهاماً ووحياً بل مصدره هو العقل والوعي... وهذا مابينه أرسطو في كتابه الشهير «فن الشعر» الذي تحدث فيه عن أنواع الشعر وأفرد فصولاً للشعر الملحمي والدرامي بنوعيه «التراجيدي والكوميدي» واعتبره العالم الغربي مرجعاً وأساساً لأول مذهب أدبي وفني ظهر في أوربا وهو «المذهب الكلاسيكي».‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

 مظهر الشاغوري
مظهر الشاغوري

القراءات: 481
القراءات: 365
القراءات: 733
القراءات: 3695
القراءات: 784
القراءات: 1265
القراءات: 4232
القراءات: 2857
القراءات: 2117
القراءات: 2217
القراءات: 1840
القراءات: 1926
القراءات: 2032
القراءات: 2198
القراءات: 1805

دمشق

الطقس في دمشق

حلب

الطقس في حلب

اللاذقية

الطقس في اللاذقية

تدمر

الطقس في تدمر

 

دير الزور

الطقس في دير الزور

 

 

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية