قراءة في مجموعة شعر الشاعر شفيق الموعي في (مـِرْوَدْ) .. إبحار في عظمة الشهادة والشهداء

يقدّم الشاعر شفيق الموعي باقة غنيّة من القصائد الوطنية والوجدانيّة التي تمجّد الشهادة والشهداء، فالشاعر يكتب بحرقة ولوعة الأب الذي قدّم ابنه وفلذة كبده شهيداً من أجل عزّة الوطن ومجده واستقراره.
 كتب الشاعر في رثاء ولده الشهيد  (مرود) قصيدة طافحة بالصدق والشموخ ( لوعة أب)  عبْر فيها عن صدق مشاعره، ونبل أحاسيسه وهو يخاطب ابنه الشهيد:
(مرحى شهيدَ العصرِ يا قبساً من
النورينِ في الإشراقِ والآصال
يا قابضاً جمرَاللظى بيمينهِ
تُردي العِدا بحسامِك الصّلال
ناديتَ يا وطني فلبّى مسرعاً
كالبرق لمّاحاً بلا إمهال
ما أعظمَ البطل الشهيدَ وعزُّه
زحمَا السْماءَ برفعةٍ وجلال)  ص(18)
أربعة وعشرون قصيدة متباينة في طولها ضمتها المجموعة الشعرية (مِرْوَدْ) للشاعر شفيق الموعي  ،والتي صدرت عن دار نينوى عام 2016   تجمعها مضامين واحدة تتمحور حول الشهادة والشهيد، الوطن، التضحية، الفداء و..
 تتمحور في معظمها حول قضايا الوطن وما خلفته تلك الحرب المجنونة،  المسعورة والتي نالت من البشر والشجر والحجر وقتلت موَاطنَ الجمال والبهاء، لتزرع مكانها القبح والحقد والكراهية ، الخراب والدمار و. . . .
(أيا وطني قُهِرتُ على مصيرٍ
فقد صار النهارُ لديكَ ليلا
وحوشٌ ساعراتٌ جاعراتٌ
أفاقت من جحيم العهرِ غولا
وأرسَلها العداةُ إلى بلادي
لتسبي الحسنَ والخُلقَ الأصيلا ) ص(28)
يمتاز الشاعر بأسلوبه الرشيق باختياره المفردة الجذلة والصورة المعبّرة بعيداً عن التصنّع والتكلّف، عاطفته جياشة وهو يودع ولده ( مرود)  شهيداً في سبيل الوطن.
والشاعر الموعي وهو من ذوي الشهداء يخصهم في هذه المجموعة بقصيدة (تحيّة لذوي الشهداء)
يقول فيها:
(ذوي الشّهداء حُيِّيتمُ سلاماً
وللشهداء من وطني السلامُ
همُ الطهرُ الأباةُ لكلّ ضيمٍ
فكيفَ العينُ لولاكمُ تنامُ؟ ) ص ( 30 )
ويتوقف في قصيدة (سراديب الأسى) مخاطباً أمّ الشهيد أن تُبعد عن نفسها الهلع والخوف، فالشهيد يزيّن السماء ويضفي عليها الضياء،  أليست السماء بغيومها ونجومها ومداها الواسع مثوىً للشهداء ؟
( لا تجزعي أمُّ الشهيدِ لقبره
تلك الغيومُ لروحهِ جلبابُ
هذي السماءُ رحابُها وفسيحُها
مثوى الشهيدِ ويدرُها أطيابُ ) ص( 42 )
ويبسط الشاعر رِحاله (في رحاب المعرّيّ) ، يبثه ألمه، حزنه،  ما آلت إليه الأمور،  أمور الأمة التي أفتى علماؤها بالقتل والذبح والتنكيل فيقول:
( لا فَضّ فوكَ أبا العلاء فإنَّ ما
نطقَ اللسانُ به يظلُّ الأحكما
أبحرتَ في طلب المنى من عيشنا
وبحثتَ عن هدفِ الحياة وبعدما)  ص (92)
ويخرجُ الشاعر من بوتقة الألم والحزن،  ألم الفراق ولوعة الوداع وخيبات الأمل لسويعات قليلة ، حيث ينثر مفرداته الجميلة وصوره البديعة وكأننا أمام وصف البحتري للربيع ومكنوناته الجمالية فيقول:
(الربيعُ الخصيبُ جدَّد ثوباً
سُحِرت بالجديدِ أمُّ الوجودِ
يخرجُ الناسُ والزغاريدُ حُبلى
عيدُ عشتارَ دربُنا للخلودِ )ص( 109 )
ويعود بنا الشاعر إلى ذكريات الطفولة،  ذكريات من زمن البراءة، العفويّة ، العبث البريء، شقاوة الأقران، البحث عن الأعشاش والعصافير ،يعود بنا إلى. (طفولة البراري) فنقرأ:
( عشنا الطفولةَ صفوَها
نلهو بأهدابِ الغصونِ
حيثُ العشوشُ تبرَّجت
والحسنُ من لونٍ للونِ
تزقوا الفراخُ لحونَها
أحنى حُنوّاً من حنينِ
فالزقزقاتُ ربابةُ
والصوتُ أصفى مرتينِ) ص ( 115 )
مجموعة ( مرود) للشاعر شفيق الموعي،  غوص في محراب الشهادة والشهداء، هي صرخة أب ودع فلذة كبده شهيداً، هي صرخة في وجه القتل والخراب الذي استجلبه دعاة ( الثورة) !! أدعياء الحرية.!! ،هي عزف حزين بأنغامٍ شجيّة فيها اعتزاز بالقيم النبيلة،  اعتزاز بعظمة الشهادة والتي هي قمة البذل والعطاء.

*حبيب الإبراهيم