فــي زمــن الثقــافـــة الإلكـــترونيـــة! آبـــــاء وأبنــــاء !!

يتباهى بعض الأهلين أحياناً أن أطفالهم, فلذات أكبادهم, يسايرون التطور التكنولوجي في مجال الكومبيوتر والأنترنت وأساليب التواصل الاجتماعي..
أفضل هنا استعمال الحاسب بدلاً من الكومبيوتر, وكذلك الشابكة أو الشبكة العنكبوتية بدلاً من الأنترنت!)..
قلت يتباهى الأهلون في مجالسهم ولايملون..زاعمين أن أبناءهم يتقنون استخدام الحاسب وملاعب الحاسب, فهذا الزمن زمن الصحافة الالكترونية. والكتب الالكترونية والألعاب الالكترونية والمكتبات الالكترونية(!!)
و.. بكبسة زر واحدة تصل إلى ماتحب وتشتهي!
بكبسة زر واحد تتصل بالعالم.. وبثقافات الشعوب!..
وبنقرة خفيفة يستطيع الطفل أو الناشئ أن ينتقل إلى أرجاء الكرة الأرضية !
وأن يطوف هنا وهناك, يتخير ألعابه وينتقي مواقعه على الشابكة, وهو يقضي ساعة أو ساعتين , ربما أكثر من ذلك, غير مهم, طالما أن العالم بين يديه ومعلوماته تتدفق إليه من كل حدب وصوب !!
.. طوفان من المعرفة الجاهزة بين يديه.. وهو في مكانه لايغادره.. يتسلى بألعاب الأتاري أحياناً، ثم يمضي ساعة أخرى مع بعض المواقع.. يمتحن ذكاءه .. ويشحذ ذاكرته ويصقل موهبته!! معقول (!!!) عالم مدهش وفضاءات رحبة.. لم يكن الآباء يعرفونها!! وهاهم اليوم يمجدون ويطنبون, ويمدحون ويفرحون بما يقوم به الأبناء!! وهم في ذلك كله غافلون, كأنما نسوا ماالذي يمكن أن يحدث لطفل أو ناشئ يجلس ساعات طوالاً أمام الحاسب, نسوا هذه الفردية والعزلة والتقوقع مع الاستخدام الطويل لـ (الفارة ولوحة المفاتيح والكتابة.. مع التحديق إلى الشاشة، نسوا الأضرار الصحية، والإجهاد الناشئ عن التشبع والتتبع للمعلومات، ولكن .. ولكن ليسألوا الأطباء عن ذلك، فهم يجيبون بطريقة أفضل (!!)
و.. في بعض ملاعب الكومبيوتر (الحاسب) معجم لفظي تتكون كلماته من:
- الرعب .. القتل.. الصّراخ.. الشجار.. إطلاق النار على الأصدقاء.. فقاعات الدم (!!!)
ثم هناك شرح لواحدة من الألعاب تقول:
- أطلق النار على أصدقائك (!)
- هل تستطيع أن ترديهم في برك من الدم (!!)
- هذا مسلّ جداً جداً.
- تلك نيران صديقة.. لابأس (!!)
و (بالمناسبة شاعت (نيران صديقة) في الحرب على العراق، وماأكثر ماتعرض الجندي العراقي من نيران صديقة بيد الجندي الأمريكي أو غيره من قوات التحالف.. وتمّ بذلك قتل الكثيرين بنيران صديقة (!!!)
والمدهش- بعدئذ في هذه اللعبة أنها تقول لك:
استعد لكل طارئ.. و.. فجّر مااستطعت من الغرباء (!) ثم يمكنك ـ الآن- أن تقتل من أجل نجاة الكوكب.. (أي كوكب هذا ؟!!) وقد يكون سفك الدماء من دون تمييز ممتعاً (!).. و(مت بعنف مع انتقام)!
ترى ماذا يمكن أن تجلب هذه الثقافة الالكترونية لنا.. ولأطفالنا ولناشئتنا؟؟
ثم هل هناك من يقدر مدى خطورتها؟!!
إن المتأمل يدرك أن هذه الثقافة الهاجمة حلت محل الكتاب.. ومحل الصحيفة.. ومحل المجلة, ومحل أية مطبوعة.. ويدرك أيضاً ان منها مايشبع نمط التفكير العلمي, وهذه الثقافة مبنية في الأصل ومصممة على خطوات علمية منطقية ومحسوبة بدقة متناهية، ولكن.. من يستطيع أن يفصل في هذه الثقافة الالكترونية الهاجمة الغث من السمين؟!
من يقدر أن يميز بين الصالح والطالح فيها لدى ناشئتنا وأطفالنا؟
ثم من يستطيع أن يتحكّم تحكماً كاملاً بهذه المهمة!!
من يستطيع أن يحجب موقعاً أو يمنع اتصالاً أو يلغي لعبة أو يتخلى عن تسلية ؟! من.. من؟!
إن المأمول أن تكون هناك شراكة أكثر فعالية بين آباء متباهين أو غافلين أو غير غافلين, وآباء مطلعين, مهرة أو بررة, يعرفون الخبيث من الطيب!!.. والمأمول أن تكون هذه الشراكة قائمة على الوضوح والموضوعية ومبنية على المكاشفة والشفافية(!)
تكون ـ فعلاً ـ في مصلحة الناشئين والأطفال, وتزيد من درجة السلامة, وتنهض بعقول الأبناء!.
والأبناء أثمن مانمتلك من حطام الحياة, وعالمهم هو عالم الشفافية والعذوبة, عالمهم هو عالم البراءة لابد أن تحوطه ضوابط أصيلة مسيّجة بالأمان والاطمئنان, مواكبة لتجليات عصر العلم والمعرفة, بعيداً عن مواطن الشك والتسيّب والضياع!..