(من مقام الوطن) للشاعر محمد حديفي نصوص طافحة بالوطنية والإنسانيـّة والجمال

هي سلسلة من النصوص الوجدانيّة،  الذاتيّة،  طافحة بالمشاعر الوطنية، الإنسانية، النبيلة ، ضمّها كتاب (من مقام الوطن) للشاعر محمد حديفي...نصوص تقترب من حافة الشعر ،ملوّنة بعبق الأرض ،عبق الشهادة،  وهي تنبت عزّة وشموخاً وإباء ...
تلونت النصوص بين الذاتي والوطني، فيها بوح شجيّ، غنائية فريدة تمتح من تبر الندى، الياسمين، وهل هناك أبهى وأنقى من الاكف وهي تودع من رحلوا شهداء يلفهم علم الوطن وسط زغاريد الأمهات،  البنات، الأخوات ...
اهدى الشاعر كتابه إلى (كلّ قطرة دم مضمّخة بالنور ورائحة الوطن قد سالت من أوردة شهيد وكل دمعة حزن ولوعة سُكبت من عين ثكلى وهي تلقي النظرة الأخيرة على فلذة كبدها حين أودعته تراب الأرض،  إلى القامات العاليات المزروعة سياجاً يزنّر حدود الوطن حيث يتمترس حُماة الديار وأصابعهم مشدودة على الزناد.
إلى كلّ هؤلاء جميعاً كتابي هذا الذي كُتب على مراحل عاصرت الحرب الظالمة التي شُنّت على سورية والسوريين)
يضم الكتاب نصوصاً منوّعة، غنيّة تجمع بين النص النثري والخاطرة الوجدانية والمقالة السياسية والأدبية، هي قصائد ووجدانيات وبوح ذاتي لشاعر عشق الوطن، الارض، الإنسان، فجاءت نصوصه معزوفات جميلة، حزينة، بديعة، فأينعت في كرومه عناقيداً من الطيبة والحكمة والهيام ....
كيف لا وسورية الدافئة المضيئة تبعث النور للدنيا حضارة ومعرفة وإنسانية،  سورية التي هزمت كل الغزاة وما استكانت يوماً للضيم قدرها ان تمضي بعزيمة الأسود وبطولات حماة الديار إلى المجد ...إلى القمة ...إلى النصر الأكيد  ...
(ثبت للجميع وبما لا يدع مجالاً للشك أن سورية وعلى رغم مما أصابها من ويلات بسبب الحرب الظالمة التي شًنّت عليها كانت ولا تزال قلب العروبة النابض وقبلة العرب وموئلهم عند الضيق، فللأصالة عنوان، ولكل أمة عنوان، وللنصر عنوان وكل ذلك يمكن اختزاله بكلمة واحدة يخرج من مسامها الفكر النقي، والضوء الساطع  الهادي ألا وهي سورية المجد، وسورية البهاء والنقاء،  وسورية النصر القادم الأكيد) ص ( 19 )
هي مرحلة مفصلية في تاريخ سورية،  مرحلة حيكت بالصمود والتضحية والفداء،  مرحلة كتبها رجالٌ أشدّاء،  رجالٌ عشقوا تراب سورية وضحوا بدمائهم وارواحهم قرباناً كي يبقى علمها عالياً خفاقاً،  واسمها يعانق الأنجم الزّهر ...إنهم حُماة الديار،  رجال الجيش العربي السوري،  حُماة الارض والعرض،  حرّاس الفجر والكرامة ...
(لكم وردة الروح، وحداء القلب،  واشتعال المواويل في الذاكرة، لكم كل هذا الصباح الباذخ الذي صنعته أيديكم الخيرة، ولكم زغاريد الأمهات الشامخات. المتباهيات بأنهن قدمن للوطن الغالي،  وترابه الطاهر فلذات أكبادهن راضيات محتسبات، ولكم بهاء الضوء الطالع ألقاً من أخاديد بهيّة حفرها الزمن في وجوه الآباء المعروقة وهم يكدحون لتحصيل لقمة العيش حلالاً من قلب الززمن،   ولكم تحايا بهيّات من شعب ناداكم فلبيتم النداء،  فوقف إجلالاً ومهابة أمام علم الوطن وهو يُردد:  حماة الديار عليكم سلام )  ص(32)
ويتوقف الشاعر (في حضرة حلب)  مطوّلاً، يتأمل في جمالها، بهائها، صمود شعبها وتفانيه من اجل عزّة الوطن وإنتصاره ...
الحلبيون المبتسمون للحياة يثبتون للعالم انّ إرادة الحياة أقوى من كلّ قوى الإرهاب االتي عاثت في مدينتهم خراباً وقتلاً وتدميراً ...
حلب الممعنة في الصمود والبقاء ،تمتلك إرادة الحياة وهي اكثر ثقة بالانتصار ودحر الفكر الإرهابي الظلامي الذي أراد اجتثاث مواطن الجمال والبهاء في حلب ...في سورية التاريخ والإنسان ...
(في حلب تجد الجمال حاضراً في مواجهة القُبح،   والطرافة ماثلة في كل جملة لا بل وكل حرف كي تنهزم المآسي، وتُرْفَدُ الحياة بكل ما هو جميل ونبيل، فالشعر سيد الموقف وشريان الحياة،  يهزجون فتسيل الكلمات على شفاههم قصائد من سحرٍ وجمان، ويحدثون فيقطر الورد من ألسنتهم عسلاً تأسرك حلاوته وعذوبته، فتخزّن في أعماق ذاكرتك أطيافاً لوجوه حينما تبتسم لك تشعرك أنك في حضرة الملائكة النقيّة والبهيّة التي لا غاية لها إلا إسعادك وأنتَ تتلقى رسائل الورد وقصائد الجمال ..) ص(56)
أمام عظمة الشهادة والشهداء ينحني الشاعر في محرابهم وهم من قدموا المثل والأمثولة في التضحية والفداء، مناجاة دافئة بلغة شعرية يخاطب الشاعر الشهيد مازن ورفاقه الشهداء في نصّه (أمام ضريحك أنحني.) قائلاً:
( لبهاء نبلك وفيض عطائك، لاستراحة الشمس فوق حجارة ضريحك، لطلوع الفجر من مسام التراب المطهّر برفاتك الخالدة، للأناشيد ردَّدتها. وانتَ تضغط على الزناد، لدموع صغارك السابحات جداول من نورٍ ونار،  لكل حبّة رمل وطئتها قدماك وانت تردد أناشيد البطولة وتكتب امجاد الوطن
-1-
المجد والفخار التي نسجتها كفاك كي يرتديها الأهل والأصحاب، لرسائل الفجر الموشّح بحمرة دمائك الطاهرة حينما أرسلتها لرفاق السلاح، للشجر الباسق يظلل رفاقك حيث ترقد الآن لكل ذلك عند ....ضريحك أنحني ..)ص(69)
في نصه (من مقام الوطن) عنوان الكتاب الذي بين أيدينا يتوقف الكاتب عند خلفيات الحرب المجنونة الظالمة على سورية، حيث أراد أعداء سورية النيل من صمودها وثباتها كونها تشكل انموذجاً فريداً في التآخي والتسامح بين أبنائها حيث الانتماء للوطن هو المعيار الوحيد ....
إزاء هذه الحرب الكونية انبرى الأدباء من كتّاب وشعراء للدفاع عن سورية من خلال الكلمة والقصيدة، كان موقفهم منذ اللحظات الأولى إن ما يجري في سورية هو مؤامرة وحرب كونية الغاية منها تدمير سورية وعيشها المشترك فكانت بوصلتهم الوطن وأبناء الوطن الشرفاء ...
(وإن كان هنالك من كلمة تقال في هذا المقام فهي كلمة الصمود التي وصلت حد الأسطورة التي حققها الشعب السوري على مدى سنوات مضت، وأعطى بذلك مثلاً يُحتذى بأنّ المستعمر الحاقد مهما امتلك من قوة وجبروت أعجز من ان ينال من إرادة شعب يُقدّس الشهادة في سبيل الارض وترابها،  ويقيم للشهداء أعراساً حافلةً بالورود والزغاريد وهو يشيعهم لمثواهم الأخير،.) ص(105)
ويخصص الكاتب مساحة واسعة للحديث عن دمشق (عاصمة الياسمين)  ،الشام بلغة رقيقة شفافة فيها البوح، التامل، المناجاة مستعرضاً مكانتها كعاصمة في قلب كل السوريين الذين تجذروا في هذه الأرض وتمسكوا بها، دافعوا عنها، ضحوا بدمائهم كي يبقى ترابها طاهراً وعلمها خفاقاً فوق قاسيونها وذرا جبالها...
ولا يفوت الكاتب وهو يتحدث عن دمشق أن يتوقف عند أنشطتها الثقافية و الفنية والاقتصادية مثل معرض الكتاب في مكتبة الاسد الوطنية :
(من زار معرض الكتاب الذي أقيم في قلب دمشق في الصرح العظيم المتربع تاريخاً يشهد على عظمة السوريين، وثباتهم وحبهم للحياة يشعر بأن مكتبة الأسد الوطنية هي بيت الثقافة الأبهى للسوريين ...)         ص( 126)
لقد سطّر السوريون ملاحم الصمود والثبات في معركة الوجود التي فُرضت عليهم بأدواتٍ رخيصة ومرتزقة جيء بهم من كل أصقاع الدنيا، جيُيّشت وسائل إعلامية رخيصة، مأجورة لتشويه الوجه الحضاري لسورية الوطن والإنسان ...نعم تحمّل السوريون وصبروا، وقفوا خلف جيشهم الباسل وقائدهم الشجاع وصنعوا الانتصار في معادلة قلّ نظيرها:  شعب ،جيش، قائد ....(أدرك السوريون الشرفاء شعباً وقيادة وجيشاً بأنهم وإن جاعوا وظُلموا وتشرّدت أسرهم ودُمّرت ممتلكاتهم ولاقوا كل ما لاقوه من عسف وظلم إنما هو طارئ مؤقت والرد عليه لا يكون إلا بالثبات والصبر والاستمرار في المزيد من التلاحم والتكاتف، وتعزيز الهوية السورية وتنمية روح المقاومة والرفض فذلك من شأنه أن يُشعل الضوء في نهاية النفق  ...)  ص (152 )       
ويوجّه الكاتب في مقالة عنونها ب(الطحالب)   رسالة واضحة إلى المتسلقين ودعاة الأدب ممن استغلوا ظروف الحرب وسرقوا نتاج وتعب غيرهم من الأدباء، سطوا على جهد وتعب وسهر غيرهم و راحوا ينشرونه في صحف ومجلات أدبية وهذا موثق. بشكل كامل ولا بد من كشف الاسماء الحقيقية إذا تكرر هذا الفعل المشين والذي يتنافى مع أخلاقية الأدباء الحقيقيين أصحاب الكلمة الصادقة والفكر التنويري المنفتح...
(إذا تكررت هذه المحاولات وقد تتكرر لأن هؤلاء استمرؤوا السطو على جهود الآخرين والاستيلاء على ثمرات جهودهم وعرقهم وسهرهم،  وعندها أجد نفسي مضطراً لأن أبيّن وبكثير من الوضوح والصدق اسماء الذين ارتكبوا مثل هذا الفعل المعيب، وأوضح أيضاً من هم أصحاب النصوص الحقيقيون الذين تم السطو على نصوصهم من دون علم ٍ منهم أو حتى الإشارة لأسمائهم من قريب ٍ أو بعيد ...)   ص (172)
نصوص ومواضيع عديدة تطرق إليها الكاتب بالبحث والتحليل مقدماً افكاراً جميلة ونبيلة لما كنا فيه وما نأمله ونتمناه لسوريتنا الوطن والإنسان، ويصعب في مقالة واحدة الإحاطة بكل العناوين على أهميتها ومحتواها الثقافي والمعرفي وروح التفاؤل الذي يعرّش علي حروفها وكلماتها ...لذلك سأكتفي بالإشارة لبعض النصوص مثل:
(الشامتون بجراح الوطن، الديمقراطية في محاربة الإرهاب، التداوي بالحلم، الآتي أجمل، أشعل الشمع كي تطرد الظلام، لن ننسى، للجلاء طعم آخر، الغرور القاتل، عدرا الجرح الذي لن يندمل، في حضرة التاريخ، منابر تبحث عن إبداع، ويستمر الحلم،وينهزم الظلام، .....)
وغيرها من نصوص متألقة ضمّها كتاب ( من مقام الوطن)  الصادر عن اتحاد الكتاب العرب 2019
هي نصوص ومقالات سياسية ،أدبية، وجدانية ،فيها بوح ودفء وجرعات لا تنتهي من الأمل والتفاؤل بانتصار سورية، سورية الوطن والإنسان ...
ولا بد ونحن نختم هذه الدراسة من الإشارة إلى أن الشاعر محمد حديفي أصدر ست مجموعات شعرية هي (ليل المشاعر، غريبٌ وأهدابك الوطن، شجرٌ على ضفاف الجرح، أنفاس الخزامى، من مقام الوجد، قبل الغروب بدمعتين، ) إضافة إلى كتابين (جرح الوطن،  من مقام الوطن)