مع نجيب محفوظ رائد لا يكذب أهله ... وروائي ينتمي إلى حارته!

نجيب محفوظ روائي عربي وصل إلى العالميةّ!
وقد نال تقدير القراء قبل أن ينال تقدير النقاد والدارسين!..
بمعنى آخر:
إنّ أول من اكتشف محفوظ هم قراؤه الذين أحبوه وتعلقوا به، لأن كل ما كتبه من صدق وعمق وأصالة فنية عالية جعله في مقدمة المبدعين من الكتاب في مصر.. وبعدئذ في الوطن العربي(!).
منذ عام 1932 بدأ الكتابة، وعاش كما يعيش القديس من أجل رسالته! هو مثل (تشارلز ديكنز) بالنسبة إلى الإنكليز، وهو مثل (تولستوي) بالنسبة إلى الروس.. ومثل (بلزاك) بالنسبة إلى الفرنسيين..
نجيب محفوظ هو الأب الحقيقي للقصة العربية المعاصرة.. ذلك لأن أهم مايميزه ككاتب فنان هو جديته وإيمانه القوي بدور الفن في خدمة الحياة.. هو كاتب ملتزم لم يتخل لحظة واحدة عن التزامه بالتعبير عن هموم الناس، والتزامه ينبع من صدق الرؤية والجرأة في التعبير.. لذلك فكل سطر من رواياته يشي بهذه الحقيقة الجلية والتي تعدّ المصدر الحقيقي لهذا الاهتمام كله، الذي يمنحه النقاد والدارسون لأدبه..
هو لا يقلّ في مكانته الأدبية عن أي أديب عالمي وربما يفوق الكثيرين منهم...
*أدب نجيب محفوظ يتحرّك داخل إطار عالم واحد، لكنه يتحرك وينمو ويتجدد في اتصال مبدع، إنه عالم واحد من الرموز والكنايات والتصورات والقيم والشخوص والأجواء والعناصر والأحداث.
*في أدبه ثوابت عديدة تحدد التضاريس النفسية والاجتماعية والفكرية الأساسية لعالم أرحب، وماأكثر هذه الثوابت التعبيرية المكرورة التي نتعرف بها إلى عالم محفوظ.
*الحارة ـ المقهى ـ الكازينو ـ الخلاء ـ المقابر ـ الجوزة ـ الفتوات ـ الأشقياء ـ الأفندية ـ مثقفو الطبقة الوسطى ـ موظفو الأرشيف ـ العاهرة ـ الأعمى ـ الشحاذ ـ الشيخ المتدين ـ الشرطي ـ السلطة ـ الماضي ـ الحاضر ـ الحلم ـ المعارك ـ القدر.
*في رواياته الأولى كان يقدم شخصيات ونماذج اجتماعية تعبر عن البيئة دون رموز أو تبطين، ويلعب السرد الدور الرئيس في البناء الروائي، وقد تطوّر تكنيك الرواية بعدئذ إلى مدارات جديدة تأخذ من الرمز شفافيته ومن الحوار حيويته، ومن النجوى الداخلية صورها المليئة بالمعاني والدلالات.
أما من حيث الشكل الخارجي فهو يحاول الإفادة من شمولية الأدب التسجيلي ومن بساطته وعفويته في التعبير.. وهو يوظف هذه التسجيلية ويستخدمها لتمنح العمل الروائي بعدين أساسيين أولهما: البساطة المفعمة بالرموز والدلالات والغنية بالإضاءات السياسية، وثانيهما: العفوية المتسقة مع الواقع، وهذه العفوية توصف بأنها مختمرة بالرؤية السياسية والاجتماعية والفكرية والفنية.
نجيب محفوظ يؤمن بأن الإنسان يتأثر بكل مايقرأ .. فهو جهاز استقبال لاقط يخزن المعلومات والمرئيات والأفكار والذكريات ويعتبر تكوينه الأدبي مديناً لهذا الحقل العالمي الحافل بالأشجار والثمار من دون التخصص أو الانتماء إلى مدرسة بعينها .. هو ـ محفوظ ـ الروائي مستعد دائماً لتغيير أسلوبه إذا تغيرت النظرة أو المضمون أو الظروف (!!).
وهو لا يقرأ إلا ما يسمونه بالروائع ، ويكتفي من كل كاتب بكتاب أو اثنين (!) وهو لا يختار على هواه موضوعاً ما ، بل الموضوع يفرض نفسه عليه ، ولم يفكر مرة في تغيير الشكل أو التكنيك لمجرد التغيير أو حباً بالحداثة أو ميلاً لمدارس معاصرة، وإنما يجيء الشكل فناً قائماً كالظل للموضوع، وليس هناك انفصال بينهما !!.
والشكل عنده ليس موضة .. الشكل ضرورة كالموضوع .. وإذا خرج عن نطاق الضرورة كان مجرد شكل فني جوهري .. يقول: إن بعض الأشكال في قصصي لم تأت لحتمية فنية ، بل هي محاولة للتعبير عن أشياء يتعذر التعبير عنها لأسباب سياسية واجتماعية !!
وهكذا امتاز الروائي العربي الذي نال جائزة نوبل بمعالجة قضايا الناس ، امتاز بالركض وراء همومهم وتطلعاتهم. امتاز بمواكبة زمنهم .. بل بمواكبة الحاضر والمستقبل أيضاً..