الشتــاء

ذاتَ مساء شتائي قارس كانت السماءُ متوشحة بالغيوم الكئيبة الداكنة ، الرياح بدت عاتية،
راودني شعور الحزن، لقد كان لاذعاً يخالج قلبي ويحيطني وينغرز بجوارحي ..
خطر لذهني أنّ الأمرُ سيكونً مفتعلاً ... أو ما هو.. هل هذا هدوء ما قبل العاصفة ؟
بعد أن اجتازتني عتبةُ الصمت وإذ بي أتلمسُ وجهي لأجد دموعاً ساخنة تنهمرُ كسيلِ
عارم دمرَ ما وجده ولم أقوَ عليه، أجهشتُ بالبكاء كعاصفة رعدية دمرت أشلاء المدينة وانتقلت
بعدها لتدمر أشلاء قلبي ... إذ أشباحُ الاكتئاب والحزن تزداد بالثواني وغصة بداخلي تهمس لي:
هل هذا الشتاء المنتظر ؟ هل هذه هي الأمسيات التي تحلمين بها قرب العائلة ؟ رددتُ عليها
وأناملي ترجفُ مع كل شهقة : ها هي لحظاتُ الأسى و الضعف المفعمة بالضجيج والصخب
فكم هو فانِ أن تذبح الأحلام وترمى على قارعة الحياة !! نعم أنا لم أجد أيّ صقيع أو جليد
أو ثلج في هذا الشتاء يفهمني، فهناك خلفَ البابِ أمطارٌ تطاردني وذكريات وقفت تعاتبني
فكيف للشتاء أن يجعل من الحنين معطفاً ...؟ ويجعل من أنفاسي معزوفة تقودني إلى ذات
الأماكنُ التي هربتُ منها سابقاً...؟فكل مرة أفكر فيها أن أكتب نصاً للجريدة أتذكرُ صقيعَ قلبي
وأكتب كلماتِ حزينة أصبُّ عليها جمودَ مشاعري .
في تلكَ اللحظة وجدتُ نفسي أرسم على غبشِ نافذتي أشياء لا أفهمها ولكن متأكدة أنها تعبر عن الحرب التي تخوضها أفكاري، شعرتُ بما أحتاج .. إنني أحتاجُ حُضن أبي و يد أمي و عناقَ أخي لعلَّ هذا الشتاء يذوب في داخلي هناك بعيداً، مع مزيج الأمطار ضحكاتُ عائلتي سمعتها تترنحُ خارجاً على الطرقات.
حاولتُ جاهدة أن أتأقلم مع هذا الوقت.. مع هذا الفراغ الذي ظهرَ بعد غياب أبي، مع التشوهات
التي حفظت في قلبي مع هذا العالم الذي لا يشبهني أبداً، لكن في كل مرة تخونني قدمي وأتعثر ...
سلامٌ لطفولة لم نشبع منها ! سلامٌ لمن ساعدني في اجتياز خطواتي ووقف بجانبي في كُل
عاصفة دمرتني وجعل من حياتهِ عالماً يحتويني وصدراً يحميني ويوفر لي كُل مطالبي ...
لمن ساندني و شجعني عندما شعرتُ بصيرورة الشتاء وأردتُ الحلوى فأحضرها إلي مع
ابتسامة مشرقة استطاع بها توريد وجنتي ليصبحَ وجه الضاحك هو الطاغي أمام كلماته.

صباح محمد نور الشقفة