(خيال الظل)

في ظل الظروف السوداء التي نعيشها الآن على مختلف الأصعدة، كثير منا بات يتقن فن التمثيل وارتداء الأقنعة بغض النظر إن كان هذا التغيير سيئاً أم جيداً، أصبحنا نتفنن في أداء أدوار ربما لا تليق بنا وذلك فقط من أجل جعل حياتنا أسهل لأننا كل الوقت على احتكاك مع الناس بمختلف شخصياتهم ومزاجياتهم وحتى طرق تعاملهم مع الآخرين، حتى أننا وصلنا لمرحلة(الفنان الشامل) فلم نكتفِ بالتمثيل الارتجالي فقط بل تخطينا ذلك لمرحلة أقوى وأعنف وهي مرحلة التأليف والإخراج المحضّر والارتجالي أيضا.. أعلم -عزيزي القارئ- كيف تعيش يومك، سأسرده لك من خلال يومي.. أمارس ضحكتي وابتسامتي يوميا.. أتدرب عليها داخل البيت حين تسألني أمي سؤالها اليومي المعتاد(ماذا سنأكل اليوم؟) وعندما أقترح عليها صنفا تطبخ مايطلبه أبي. أمارس لطفي تلقائيا حين تطلب مني شقيقتي الذهاب معها للتسوق فأضطر لتأجيل موعدي مع الطبيب. أتدرب كل لحظة على ضبط النفس والتحلي ببرود المشاعر عندما أخطط لشراء بعض من حاجياتي بنفسي فيوقفني أخي حين ينتخي ويدق على صدره ويقول(أنا أحضر لك كل ماتحتاجينه) ثم أنتظر كامل اليوم ولا يحضر لي شيئاً فأعزّي نفسي بشهامته من جهة وقلة وقته وفراغه من جهة أخرى.. وهذه حالي أيضاً مع كل الأشخاص الذين أقابلهم يومياً ضمن عملي. ويأتي الوقت المتبقي لي.. نصف ساعة قبل النوم أكون فيها بمفردي.. أمدد جسدي على السرير وأرخي بثقل رأسي على وسادتي..وأبدأ بنزع الأقنعة.. جميع الأقنعة.. قناع الضحك والابتسام أرميه غير آسفة ليصل ظهر الخزانة، قناع اللطف أداعبه قليلا قبل أن أشوطه بقدمي ليستقر بين أرجل الكرسي، قناع ضبط النفس والتحلي بالبرود هذا القناع الوحيد الذي عندما أخلعه أبصق عليه ثم أركنه بجنابي كقط مدلل وبحذر شديد كي أتذكر ما أن أستيقظ أنه أول قناع عليّ ارتداؤه منذ الصباح. وبعد التجرد من جميع الأقنعة.. يبقى جلدي.. جلدي الذي أتمنى أن أسلخه عن جسدي ولا ينسلخ فأرمي بثقل آخر على الوسادة، ثقل مرافق لرأسي، ثقل الدموع.. الدموع التي أنيمها مغناطيسياً كل أوقات النهار ثم يحلو لها السهر لإرهاق عينيّ وتفكيري كل الليل.. ويأتي النعس متأخراً ليثبت أن رحمة الرب عظيمة وعظيمة جدا. لست الوحيدة هكذا ولن أكون.. فجميعكم أعزائي تعيشون روتين الكذب اضطراريا مثلي.. روتين الأقنعة اليومية التي ترتدونها كي تستطيعوا التأقلم مع من تحتكّون بهم يوميا في كل مكان.. وربما جلدك عزيزي القارئ هو الوحيد الذي تتمنى ارتداءه ولا تستطيع نزعه لأنك ببساطة متكيف مع مقولة(يموت الإنسان وتبقى سمعته الحسنة)..

كنانة ونوس