ثنائية المرأة والوطن: قراءة في قصيدة ( أفاميا العاشقة ) للشاعر خضر عكاري

 
 received 814187576007175 c0984received 393080245030423 54cb2
تسعى هذه الدراسة إلى تقديم مقاربة لقصيدة ( أفاميا العاشقة ) للشاعر خضر عكاري (1) حيث تبدو هذه القصيدة أشبه بالملحمة الشعرية لأنها تسرد سيرة حبّ الأمير عاشق لأميرة آفاميا ، سيلفانا ... ابنة الملك أو الامبراطور سلوقس نيكاتور الذي خلف الإسكندر المكدوني في حكم سوريا (2) 
وتجدر الاشارة هنا إلى أن شاعرنا عكاري يوظف الطاقات السّيميائية للأيقونة بوصفها تقنية فنية ذات دلالات قرائية. فصفحة الغلاف، بوصفها عتبة نصية، كما أكد الناقد الفرنسي الكبير جيرار جينيت(3)، تظهر صورتين : الأولى لأميرة أفاميا ، و الثانية لقلعة شميميس . وتعمل هاتان الصورتان عملاً سيميائياً، إذ إنهما تشيران إلى الفضاء الجغرافي (مملكة أفاميا ومدينة سلمية) الذي يحتضن هذه القصة الغرامية التراثية. وتحاط هذه الأميرة ببحر من اللون الأزرق الصافي الذي يرمز إلى القناة التي شقَّها الأمير عاشق من سلمية إلى أفاميا، وما من شك في أن شاعرنا يوظف دلالات اللون الأزرق ليؤكد أن القناة تبرز علامة سيميائية ادلُّ على موضوعة الماء بوصفه سرّ الحياة أو سرّ الوجود الإنساني برمته.
ويظهر الغلاف الخلفي الأزرق اللون أيضاً عبارات من الفلكلور الغنائي: (أفاميا ...ونبع العطايا ... سلميا ... يا. يا. يا ...) و إضافة إلى توظيف سيميائية الأيقونة و اللون ، يلجأ الشاعر إلى استثمار طاقات الكتابة التاريخية  الشعبية ، فيورد نبذة عن قصة هذين العاشقين التي أرخها الدكتور عارف تامر ، رحمه الله تعالى ، و يستهل شاعرنا هذه التوطئة التاريخية بعبارة ( قال الراوي ) تلك العبارة المألوفة في التراث الحكائي الشعبي التي اعتاد الحكواتي أن يفتتح بها أحداث حكايته الفلكلورية : ذهب الأمير عاشق إلى الصيد كعادته ، فجعل وجهته ( سهل الغاب ) القريب من مملكة أفاميا ، و تشاء الأقدار أن يلتقي الأميرة سيلفانا فقدم نفسه لها على أنه الأمير عاشق ابن القائد سلاميس الذي انتصر فيها على الفرس ، فأعجبت به و وقع في نفسها ، و بعد تبادل النظرات و التحيات عاد كل منهما إلى قواعده ( ص6) ..
و تجدر الاشارة هنا إلى أن شاعرنا يكثف دلالات الماء و رمزيته بوصفه أسّ الحياة و بهجتها ك:( لقاءات العاشقين على ضفاف العاصي، و مهر هذه الأميرة ماء سلمية النمير ) و تمضي الأيام ، و تستمر اللقاءات في أمكنة الصيد على ضفاف العاصي ، و في كلّ مرة كان يزداد الحبّ و الشوق ، و في آخر المطاف ، طلبها إلى الزواج ، و لكنها رفضت بادئ ذي بدء ، و لمّا ألح بالطلب طلبت منه أن يمدَّ مدينتها بالماء النمير من سلمية و كانت قد زارت سلمية و ارتوت من مائها (ص6) ..
و يمضي الشاعر قدماً، فيؤكد أن الأمير عاشق قد قدَّم مهر حبيبته الذي اتخذ طابع قناة تتماوج فيها أمواه الحب و العطاء و البركة، و سميت هذه القناة ب (قناة العاشق) لتأريخ قصة الحب هذه. (ص6)
وتعلن الفرحة بوصول (المياه المتدفقة) سعادة أفاميا وأميرتها، وتتجسّد هذه السعادة التاريخية في ظلال عرس فلكلوري دام سبعة أيام (ص6)، ولا ريب في أن إشارة شاعرنا إلى ذاك العرس التاريخي تحمل بين طياتها رغبته في استحضار لحظات الاستمتاع والارتياح اللذين كانا يغمران متلقي هاتيك الحكايات الأثيرة ـ التي شاعت في تراثنا الأدبي الشعبي.
ينظر شاعرنا خضر عكاري إلى أفاميا قبل ورود مائها أو مهرها إليها، فيرصد مأساتها التي تمثلت في جفافها الشديد، فيتخيَّر ألفاظاً تجسّد هذه التراجيديا التي تبدو بمنزلة الموت المجازي، وذلك أنّ الحياة تنعدم حين ينعدم الماء:                          
( أفاميا
الوجه المشوي ...
و النبع المشتاق ،
و الرمح المعلق ...
في خصر الهضاب !
و السيف المشرَّع
في بحة الأغنية ،
و الدمعة المرهقة
في مقلة.. الصحراء ) ص8
تدل عبارة (الوجه المشوي) على وجه أميرة أفاميا التي تمثّل أهلها و تضاريسها الظامئة إلى الماء ، فندرة الماء زاد من تصحّر مناخها ، فاشتاق النبع إلى مائه ، و بكت أفاميا مصير أبنائها فبدت دمعة مرهقة في مقلة الصحراء ، إلا أنّ شاعرنا لا ينسى بطولات هذه المملكة التي لم يثنها التصحر أو العطش عن تسطير ملاحم العزة و الإباء ، فرمحها ما يزال معلقاً في خصر الهضاب و سيفها مشرّعاً في ( بحة ) أغانيها .... و إلى جانب صورة مملكة أفاميا الصدية المتصحرة ، يورد شاعرنا مشهداً يرسم فيه الماء الذي تنتظره هذه المملكة ، فتفيض روحه الرومانسية  بصور تؤكد عودة الحياة التي تولدها المياه العذبة ، فتتمظهر نضارتها :                                
( أفاميا ..
المسافة بين الرمال و الضباب ،
و السنونو ..
و الأغربهْ
و السنبلة ..،
و قبرة السواقي !
حزن ( الربابهْ) 
رفرفة النوارس ،
ارتطام الموج بالصخور..،
و الزبد ..
بوجه.. العجاج. ) ص ( 8-9)
أجل، يمثّل قدوم الماء عودة الحياة: عودة الروح إلى جسد تضاريس أفاميا التي ازدانت بسنونوها وسنابلها وقبراتها ونوارسها، فماؤها 
خفّف من وطأة رمالها وعجاجها. وما الإشارة إلى تراثنا الغنائي الذي يمثل أغاني الحنين إلى دفء الماضي الذي يترقب المغنُّون عودة رونقه إثر عودة ماء الحياة إلى مملكتهم.
يعود شاعرنا عكاري إلى قصة الحب الذي ألفَّ بين الأمير عاشق السلموني و أميرة أفاميا ، فيرصد بداياتها التي تمظهرت في ظلال مشاوير و مواعيد :
( أفاميا ..
مرحلة المشاوير..،
وقناة العاشق 
خلخلة.. المواعيد) ص10
هكذا نشأت قصة العشق هذه و ترعرعت في أجواء تنأى عن الرتابة و الانتظام، فخلخلة مواعيدها تدل على أن حبهمهما ينبثق من تلقاء نفسيهما، و يتفجّر (مواويل) و ( هفهفات ) تضج بنشوة اللقاء :
( بين العشيق و العاشق ،
نبرة المواويل ..،
هفهفة .. الصبايا ...! ) ص11
تشكل نشوة هذا الحب نهاية لمأساة مملكة أفاميا ، فهي ، على الرغم من أنها ( درّة ... في جبين الزمان ) ، و هذا كناية عن عظمة شأنها و علوّ قدرها ، ( فزعانة ) تتوجع على مصير أبنائها الذين يتوقون إلى نعمة الماء و بركاته :                                 
( أفاميا ..
يا درَّة .. /فزعانة/..
في جبين الزمان !
و / زمزمية / تتوجع
على كتف / عين الزرقاء / )ص12
تدلّ صورة مملكة أفاميا بوصفها (زمزمية) (و هي عبارة عن سقاء صغير يحمل فيه المسافر الماء) على أن الشاعر يخلع عليها صفات الأنوثة، فيجعلها تتوجع على كتف عين الزرقاء الذي يرمز إلى الأمير عاشق، فعين الزرقاء نبع غزير.. من ينابيع مدينة سلمية، و كانت مياه هذا النبع زرقاء اللون ( ص65) .. وتؤكد الاشارة إلى (نبع عين الزرقاء) أهمية سيميائية اللون الأزرق (الذي يرمز إلى الماء).. وتتنامى رمزية اللون الأزرق لأنه يحيط بأميرة أفاميا ويغطي غلاف المجموعة الشعرية ومعلوم أنّ توجّع هذه الأميرة لا يحمل الطابع الشخصي، ذلك أنه محاولة لاستدرار عطف الأمير عاشق ليمدَّ مدينتها بالماء لتعود الحياة إلى سابق عهدها.
ويتابع الشاعر إضفاء إمارات الأنوثة على هذه المملكة، فتغدو (تنورة، طرزتها الجراح! نمنمتها.. المقادير) ص13، فالتنورة، بوصفها ثوباً أنثويا، علامة سيميائية تؤكد أنوثة هذه المملكة التي تتبدى طفلة تتوسم الخير في زواجها من الأمير عاشق: 
(يا طفلة..،
تتوسم خير.. الحنايا
***
يا أميرة العشق تنهدي
ارتواءً..،
وارتعشي
شجراً من البطم ب عبِّ
البادية) (ص 12- 13)
ههنا تتلاحم صورتا أفاميا الأميرة و أفاميا المملكة، ذلك أن وصول الماء يوحي ببشائر الحياة: لأنها شربت، فارتوت، و توسمت في القناة الخير، وازدهرت أشجار بطمها ذات الثمر الجميل الرائحة (ص65) يتأمل شاعرنا في هذه القصة الغرامية فيرصد بداياتها في سلمية التي تبدو معين ماء و حب بجود و سخاء 
(من سلمية النبع 
من سلمية 
بدء العشق .. ) ص15 
نلحظ هنا ثنائية: الماء/ الحبّ، فهما سرّ انتعاش أفاميا بعد جفافها وحزنها، فماء القناة جرى جذلاً ليروي كرومها وبساتينها التي بادلته حبّاً بحبّ لأنها قدمت أشهى ثمارها:
( و على وجهه
هام ( اليم ) و غرَّب ..!
و تعتقت ..
في خوابيك الفصول ! ) ص15
تحمل عبارة ( تعتَّقت في خوابيك ) دلالات الحسن و الروعة لأنها مستعارة من عالم الخمر ، فالمعتَّقة هي الخمر التي عتّقت زماناً فقُدمت و حَسُنت .. و هذا إشارة إلى أن الماء / الحب قد أعادا إلى أفاميا فصولها الطبيعية ببهائها و جمالها .
و يتابع الشاعر عكاري رسم عرس الطبيعة المتَّقة في أفاميا ، فيرى أنَّ الضباب بنداه قد هام بأفاميا فاستسلم لها : ( و غفا الضباب أسيراً لديك ) ص16  ، و تشارك الموسيقا في احتفاليات الطبيعة المعتقة لتحثها على إضفاء آلائها و بركاتها على أفاميا و ما يجاورها :       
( و جُنَّ زرياب
على أبواب غرناطة 
يحرّض 
بردى الناشف،
يغسل بالنعاس 
ضوء.. الصباح) ص16
أجل ، لقد طرب زرياب ، الموسيقي العراقي الشهير / لورود الماء إلى أفاميا ، فغنى من غرناطة في الأندلس كي تعود المياه إلى نهر بردى الدمشقي فتدبُّ الحياة في أوصاله ، و يأتي (ضوء الصباح ) الذي 
يرمز إلى النضارة و التجدد الدائم . و في إطار هذه الاحتفالية الطبيعية ، يصور شاعرنا بهجة الحور ، 
( و هو شجر من الفصيلة الصفصافية يسمو إلى ارتفاع كبير ، و بهذا يرمز إلى عظمة أفاميا و قدرها ) ، و نشوة طائر الفينيق ( و هو طائر بحري يعيش على الشطآن ) :      
( يرتحل الحور .. بردفيك
يشتطُّ 
يغمغمُ الفينيق 
على ركبتي أرواد 
يطمُّ .. الموج ..
حنان .. المحار . ) ص17
و تبرز أفاميا عروساً تتوسط معالمها الجغرافية و أزاهيرها الفواحة: 
( أفاميا ..
بين الحجارة والقناطر والعاصي..
و التيجان ..
ووجهك الأُرجواني
تنوخ بهودجها..
شقائق .. النعمان
ينتفض الزيزفون
يطاول غنج البيلسان ) ص18
تدلُّ الإشارة إلى وجه أفاميا (الأرجواني) على هويتها وجذورها التاريخية، فالأُرجوان صبغ أحمر كان الفينيقيون يستخرجونه من بعض الصدف. وطوبى لهذه الأميرة الفينيقية التي تتربع هودجاً من الأزاهير العطرية ونباتات الزينة هذه 
(صدرها  الحنون مندّى
بحبق الحواكير 
عبق البابونج 
والزعتر والنعناع،
و الشيح و القيصوم..
و تأوهات الجوري 
و روعة الأُرجوان ) ص31
لقد تعمَّدت هذه الأميرة العروس برحيق هذه الورود والأعشاب البرية، وسمت إلى السماء فتطهرت:
( أفاميا ..
أميرة العشق ،
يا عنقاً 
تطهَّر في السماء ... ) ص19 
وهذه الأميرة الطاهرة بطلة ذات بأس شديد، فهي تحمل عتادها الحربي 
(القوس و الوتر المشدود ، و النبلة ) ص20
إنها أنموذج المرأة المحاربة التي تذكرنا بالمقاتلة الأمازونية التي نذرت دمها في سبيل عزة بلادها (4)
أفاميا ، يؤكد شاعرنا بفخار :            ( امرأة من دم .. و نار،
تتعطر .. بالجرح ،
تتزيا .. بشظايا القنبلة ..
تصحو على صهيل المهار .. ) ص34 
و يجدر التأكيد هنا أن بطولات أفاميا المشرّفة تجعل شاعرنا يطلق العنان لخياله الرومانسي، فيطوف في ثنايا تاريخنا البطولي ، فيذكرنا بقلعة شيزر التي تطل على نهر العاصي ، و بقائدها و شاعرها أسامة بن منقذ الذي أبلى بلاءً حسناً في الحروب الصليبية ص67 و في ضوء مآثر أفاميا البطولية ، نعي أنَّ شاعرنا يتمثل بها ، فرباطة جأشها و صمودها مؤونة التي لا تنفد : 
(عنادك الوطني،
مؤونتي.. النضالية) ص37
إذن، يرى شاعرنا في أفاميا أنموذجاً فذاً ليس للبطولة فحسب، بل للنبل أيضاً ، فهي الملاذ و المقصد في أثناء الملمَّات : ( كوني ملاذاً /لأشرعة المهمومين ،/أيتها المواويل المشاغبة /أغدقي في قلبي النشفان /أعيدي /عشب الفصول ) ص42 .. بلى، إنَّ الأميرة أفاميا تبرز أماً تطرّز ملاحم وحكاياتها وتحنو على صغارها و تغدق عليهم من صنائع يديها المباركتين:         
( تطرّز المواويل ،
تخبئ .. الحكايات
و على صدرها ..
تغفو .. الزغاليل.. ،
حالمة بعطاءات الفصول ) ص63 ..
و بعد، فإن أفاميا هي المزار الذي يريح زائريها، و يبعث في نفوسهم الأمل و البشر:                           ( أفاميا .. المزار..
في هودج الأيام ..،
مشنشلة
بالأمنيات.. ) ص64
وبهذه الأمنيات الجميلة يختتم الشاعر خضر عكاري ملحمته التاريخية هذه، وكله أمل بأن تعود النضارة والعزّة إلى أفاميا:
( أفاميا ..
متى تعود..
نضارة الحياة..،
أغنية السنونو..
و يزهر .. العزُّ
في قمَّات جبالها
المسيّجة بالهمم ؟!) ص61
_________ 
الحواشي: 
خضر عكاري، أفاميا العاشقة، دار معد، دمشق 1996م
المصدر نفسه ص5.
جيرار جينيت ، عتبات النص ، باريس 1999م ص 25.
ميلاني كيرفييز ، بطلات تاريخيات ، لندن ، 1980 م ، ص 40-45 .
الدكتور الياس خلف