قصةقصيرة: رحلة عمري

received 2696271683966912 f2e78
- نهض أبي ليستقبلني مع أفراد أسرتي .. وتأملني بضع ثوان بابتسامته الدافئة ، ولم يسألني شيئاً ، غير أن دمعة حيرى قد سالت على خذّه . 
سألته ما بك ؟ 
قال وهو يقبل الصغير لا شيء ... لا شيء 
إنني سعيد بمجيئكم . تعالوا إلى جانبي .. اجلسوا لقد نورتم المنزل .. اقتربت منه وقبلت يديه . 
قلت له : ماذا تكتب إني أرى أمامك على الطاولة أوراقاً ...؟ 
أجابني وهو يلملم أوراقه : إني أدون مذكراتي ... 
والدي الآن في الستين من العمر وهو مدرس اللغة العربية في إحدى المدارس الثانوية . يحب عمله كمدرس. 
التفت إليه وقلت له : 
ــ أتذكر يا والدي عندما كنت في الثانوية قلت لي يوماً :   
ــ أتعلم يا حسام ... إنني نلت الشهادتين الإعدادية والثانوية بدون مدرسة . 
.. سألتك باستغّراب : 
وكيف ...؟ 
تنحنح والدي ذاهلاً وكأنه يستحضر من ذاكراته شريط ذكريات عمره كله , 
يقول لنا مؤكداً : 
ــ إن المهنة هي السند الوحيد في هذه الحياة . وكان شعاره دائماً 
( صنعة في اليد أمان من الفقر ) 
ذات صباح لا أنساه ابداً أخذني رغماً عني إلى صديق له ( نجار ) لأ تعلم مهنة ( النجارة ) وهذه المهنة جيدة ... و... و... 
كنت أرفض بشدة لأنني أرى الجيران كلهم بعمري حاملين حقائبهم وذاهبين إلى المدرسة ...  كان يضربني ويقول لي : 
ــ نبيل ... لا تفكر بالذهاب إلى المدرسة أبداً ... تعلم مهنة لتساعدني في مصروف البيت . 
كانت والدتي من الجيل القديم لا حول لها ولا قوة ... 
كل صباح أذهب إلى معلمي النجار وآلام لا حدود لها تأكلني وتنال من عقلي وقلبي لأنني أبكي وأنا أسير وأمسح دموعي حتى أصل لدكان ( النجار ) . 
مرت سنتان ، وثلاث ، لا أعلم كم صار عمري ، وأنا لا أعرف طريق غير دكان النجار . 
كانت طفولتي قاسية . فيها المر .. وفيها الأشد مرارة ... وكان والدي يضربني .. والمعلم يضربني إذا تأخرت عنه . لا أذكر أنني لعبت في الحارة مع أولاد الجيران ، ولا أمسكت بيدي دفتراً وقلماً . أو خططت سطراً على ورق . 
إلى أن أتى يوم لا أنساه أبداً . إنه ما زال في ذاكرتي إنها إشراقة شمس في ليلة مظلمة ظلماء ... 
جاء إلى النجار أستاذ مدرسة ليضع طاولة له قال لي : 
ــ تعال وسجل المقاييس التي أمليها عليك . 
قلت له : 
ــ أعذرني لا أعرف الكتابة . 
استغرب كثيراً وقال : 
ــ أنت لا تعرف الكتابة أبدا ؟ وكيف . . ! 
ــ ولا أمسك طول عمري قلماً ولا دفتراً ... ولا دخلت مدرسة . 
بكيت بلا شعور بحرقة أمامه من شدة ألمي وحزني على نفسي . 
اقترب مني بهدوء وقال : 
ــ لا .. لا تبكِ .. أمسح دموعك .. ما اسمك يا عزيزي ... 
ــ نبيل . 
ــ اسم جميل .. أنا سأتولى تعليمك لا تيأس أبدأ ً .   
أحضر دفتراً وقلماً وكل يوم تأتي في المساء بعد أن تنتهي من عملك هذا .. وإليك عنواني .. ورقم هاتف منزلي . 
عندها شعرت أن أفراح الدنيا كلها سكنت عقلي وقلبي .. يا للسعادة الكبرى صرت أملك  دفتراً وقلماً !   
وهكذا بدأت أذهب كل يوم إلى ( الأستاذ ) دون علم والدي وتابعت دراستي حتى صرت أجيد الكتابة والقراءة .   
أحضر لي الكتب المدرسية بكل صفوفها .. قرأتها برغبة وأحببتها . وتابعت المنهاج المدرسي . 
بعد سنوات قليلة توفي والدي : وكنت فعلاً قد تعلمت مهنة النجارة وبدأت أعمل لحسابي ... وأصرف على البيت وعلى تعليمي . ولن أترك دراستي ... لأني على يقين أن العلم والثقافة جزء من كياني وعقلي ... تابعت تعليمي مع معلمي ( الشهم النجيب ) الذي لا أنسى فضله عليّ مدى عمري . .. حتى نلت الشهادتين الإعدادية والثانوية . 
ودخلت الجامعة كلية الآداب ( فرع اللغة العربية ) فصرت مدرساً كما تراني . معلمي الذي علمني كل علوم الدنيا ، ما زال ماثلاً أمامي . صوته الجهوري المفعم بالحنان والعطف يسكن أذني وتفكري وخاطري ... وهو يقول لي : 
ــ تعلم يا نبيل وأدرس .. الحياة لا تستمر ولا تساوي شيء دون علم . 
تزوجت من والدتك المدرّسة الرائعة التي ساهمت معي في بناء هذه الأسرة المتحابة وما زلنا نعمل سوية لنرى ثمارنا تزهو وتتألق ... 
تلك هي رحلة عمري يا حسام ... وهي لم تنته بعد . 
تطلعت إليه وكأنه كاد يختنق بالبكاء وهو يستعيد ذكرياته ، لقد كتبها بحلوها ومرها . وكم عانى في طفولته ودأب واستمر في تلقي العلم حتى صار مدرساً معروفاً . 
وضع يده على كتفي وهو يجلس إلى جانبي ويحدثني: 
ــ أتعلم يا حسام لماذا نظرت إليك بعمق عندما استقبلتك مع أولادك وزوجتك ... 
كان قلبي يرقص فرحاً بقدومكم . 
أنا لم أكن ألمح في عينيّ والدي هذه الفرحة أبداً . كان صلباً قاسياً جاهلاً  همه جمع المال وأن اعمل أنا وأخوتي ونقدم له . 
ــ دعك من هذا ياوالدي الماضي ذهب والحمد لله أنت مدرس متميز ومحبوب . 
وبينما كنا نرتشف القهوة ونتحدث دخل ابني يقول له : 
ــ جدي ... صديقك قادم إليك ... 
ــ دعه يدخل . 
خرجت لاستقباله في حديقة المنزل . قال له : 
ــ صديقي نبيل . أتيت أبلغك أن مديرية التربية قررت تكريمك مع زملائك ... ننتظر حضورك
! . 
رامية الملوحي