في وداع أ.د.عبد الإله نبهان...

الوان2 6272eالوان2 6272e 

 

انبثقَ خبرُ رحيل أ.د.عبد الإله نبهان من فضاءٍ رماديٍّ مسيَّجٍ بأساه، يجرُّ عرباتٍ من الشعور بالخيباتِ والمرارةِ، في ثنايا تلالِ كثيرينَ، ما أنا إلا واحدٌ منهم.

 

لمْ يكُنِ الخبرُ مفردًا غريبًا عن سِيَاقِه، فقدْ وصلَ في مواكبَ لائقَةٍ من تتالي طُقوسِ الرحيل، وانكساراتِ أحلامٍ ورُؤى، كانتْ ريَّانَةً بالمواعيد، وتتالتْ عليها ليالي أساها، فواجَهَتْ مصائِرَها راضيَةً مرضيَّةً، كما يليقُ بالعارفين المُحْتَسِبِين.

 

هي لحظاتُ تمهُّل، وإعادةِ قراءةِ الخَبَر: رحل عن دنيانا الفانية أ.د. عبد الإله نبهان، الضليعُ الخبيرُ في علوم اللغة العربية، والمثقفُ الموسوعيُّ في عوالمِ الآدابِ، والمجتمعِ، والإنسانُ المرهفُ في بِناء الصداقاتِ الراسخَةِ المتنوِّعَةِ الواسعة الحميمة... رحل... هي لحظةٌ للشعورِ بانْكِسار ما هو راسخٌ وواسعٌ ومتنوعٌ وحميم، يشعر كلُّ من مسَّه نورُ قَبَسٍ ما من صداقاتِه تلك يومًا ما، بأنَّه معنيٌّ بقسوةِ مثلِ هذا الشعور، فالراحلُ كانَ سندًا لا يخيبُ قاصِدُهُ السائلُ عن مسائِلِ لغة، أو ثقافاتٍ دينِيَّةٍ أو دنيويَّةٍ، أو الناشدُ كتفًا يرمي عليها أثقال شعور بالغربة والضعف، في وجود لم يزَدْهُ دولابُ الأَيَّام إلا صلفًا وغرورًا وتَغْريبًا، فلا يبقى فيه لتعلل اليدِ العزلاءِ من أهل وسكن، سوى كتف صديق قويِّ الحضور والثقة من طراز أبي مصعب.

 

في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، كان يتابع دراساته العليا في علوم اللغة العربية، مع اهتمام ملحوظ بموضوعات الأدب: قديمه وحديثه، فقدّم ضمن نشاط المركز الثقافي في حماة محاضرة عن أعلام في الشعر القديم، تقديما أثار اهتمام طالب في سنته الجامعية الرابعة، كنته يوما، فكتبتُ مقالة في صحيفة الفداء، عُنيَتْ بمناقشة جوانبَ من تلك المحاضرة، مما استتبع حوارا لاحقا حولها، عمَّقَ من تعارفنا الذي بدأ منذ أيام متابعتي الحميمة لنشاطات الثقافة والأدب في حمص التي كانت تأخذ فيها تلك النشاطات طوابعَ حميمةً خاصة، متميزة سوريًا وعربيًا.

 

ها نحن في مطلع التسعينيات نشارك في عضوية اللجنة الثقافية لكلية الآداب في جامعة البعث ونشاطاتها، مع الزملاء، ولاسيَّما الزميلين الصديقين اللذين سيستمران شريكينا في نشاطنا الثقافي الجامعي إلى آخر مداه، هما د.رضوان القضماني، ود.سمير معلوف، وقد تنوعت مواقعنا الإدارية تباعا في كلية الآداب وقسم اللغة العربية فيها، بين عميد ونائب عميد، ورئيس قسم، وغيرها، نتعاون مع زملائنا الآخرين بحالة من حب ونقاء ووفاء، ونرحب بالأدباء والمثقفين وأساتذة الجامعات من سوريين وفلسطينيين ولبنانيين ومصريين وعراقيين وأردنيين وغيرهم، تستضيفهم الكلية في محاضراتها وندواتها ومؤتمراتها ومهرجاناتها المتلاحقة في الأزمنة المختلفة، ولاسيما زمن رئاسة صديقنا المشترك أ.د. ياسر حورية لجامعة البعث، ولرابطة الخريجين الجامعيين في حمص، برؤيته المتميزة التي تعد النشاط العلمي والثقافي لكل قسم وكلية تكاملا جوهريا مع المناهج والخطط الدرسية...

 

نشاطات متنوعة يعقبها موائد متنوعة تعزز ألفتنا مع الضيوف، تقام تارة بدعم من الجامعة أو الرابطة، وتارة أخرى بتشاركنا مع أقراننا تشارك الأصدقاء والألَّاف، وضيوفنا أصدقاء مثقفون مهمون من طراز وليد إخلاصي، ود.عمر الدقاق، ود.علي عقلة عرسان، وعادل أبو شنب وغيرهم...

 

لجأت إليه عام 1995م طالبا مشورته في ترتيب اقتراح الاحتفاء بمرور تسعمئة سنة على ولادة أسامة بن منقذ، الشاعر الفارس (1095- 1188م) الذي كان اهتمامنا به في تدريسنا الجامعي يأخذ اتجاهات لغوية وأدبية متنوعة، وبعد مداولات وسهرات بين حمص وحماة، شاركنا بها غير واحد من أصدقائنا الحميمين، ولاسيما الشاعران مظهر الحجي ووليد قنباز (1935- 2005م)، وسَرْعَانَ ما انطلق مهرجان أسامة بن منقذ بتبنٍّ حيوي من محافظة حماة، ومشاركات متنوعة واسعة لأدباء وباحثين بارزين من سورية ولبنان، من أبرزها وجدانيا مشاركة شعرية للشاعر ياسين فرجاني (1925- 2007م) الذي تحور حضوره إلى حماة التي كان محافظها (1959-1961م) المقرّب إلى الرئيس جمال عبد الناصر (1918-1970م) أيام الوحدة السورية- المصرية (1958-1961م)، إلى تظاهرة اجتماعية وثقافية من طراز خاص، استمر تتالي بريقها على مدارج السنين، فأصدرت جامعة البعث بعيد رحيله ديوانا له بعنوان "ألوان"، من إعداد د.عبد الإله نبهان وتقديمه بدراسة جادة قيِّمة، تضمن عددا من قصائد الشاعر غير المنشورة في كتبه السابقة.

 

كان تدريسي منذ عام 1991م للأدب القديم المنجز في سبعة قرون تقريبا بين القرن السابع والقرن الرابع عشر الهجريين، إضافة إلى مواد اختصاصي في الأدب المقارن، يضعني في محطات تحتاج إلى مساعدات أصدقاء لهم خبرات تفوق خبراتي المتواضعة في دراسة الأدب القديم، وكان وجود د.عبد الإله نبهان من أبرز أساتذتي الذين وجدت بهم معينا لا ينضبُ في مدِّي بالنصح والإرشاد والمصادر والمراجع، وهو الملاذ الذي يستر

د.راتب سكر