أعلام : منير راضي يبحث عن بلده

يتفق الكثير من النقاد بأن أفلام المخرج منير راضي تحمل بصمة خاصة به ,يمتلك رؤيا مغايرة لسينما الراهن , سينما تحمل تطلعات بلد بائس يغرق في لجة أزمات ومشكلات شبه مستعصية , وجيل شاب مصرّ أن يتجاوز كل هذا الإحباط نحو غد يحمل ألوان قوس قزح , ولهذا آثر منير راضي ألا يركن لتقديم سينما لا تدخل بصدام مع هذا الواقع المر .
أيام الغضب
أنجز منير راضي فيلمه الروائي الطويل الأول في عام 1989وقد أسماه (أيام الغضب ) اعتمد إيقاعاً سريعاً في نسج المشاهد وكأنه لا يريد أن يترك لحظة استرخاء واحدة , هي حكاية رجل بسيط لعبه الفنان (نور الشريف) يسافر إلى إحدى دول الخليج للعمل لتحسين وضعه المادي والمعيشي وأهمها الحصول على الشقة ,وصار يرسل لها (للزوجة) النقود لتسديد أقساط الشقة ,وعند عودته لوطنه يكتشف بأن رجلاً آخر قد استولى على الزوجة والشقة ,يستبسل في الدفاع عن حقه إلى أن يصل إلى مشفى المجانين ليوضع تحت وصاية ضياء(المشرف) ,أداه الفنان (سعيد عبد الغني ) وهو شخصية شريرة بامتياز ,ينكل بالمرضى بطريقة وحشية ,وفي الجانب الآخر تشرف زوجته ,الفنانة (أمل إبراهيم ) على عنبر النساء يساندها ظلها قناوي لعب دوره الفنان (سعيد صالح)المخلص لأوامر ضياء,وهناك المختصة الاجتماعية التي لعبت دورها الفنانة (يسرا) المنحازة للحق ضد الظلم الذي يخيم على المشفى ,ووسط هذا الجحيم يتعرف على نزيل يصبح صديقه, وقد لعب دوره الفنان (نجاح الموجي) الذي يتفق معه على الهروب من هذا الجحيم ,في هذا العالم المغلف برداء العلاج الصحي (كمصح أومشفى) نكتشف عالماً من الضحايا يتلظون بنار حاقدة من قبل ضياء وأسياده ,ثم تدخل المشفى فتاة ريفية ,لعبت دورها الفنانة (إلهام شاهين ) مصابة بانهيار عصبي نتيجة فقدان حبيبها ,الذي قتل في ظروف غامضة , وبعدها يغتصبها ضياء , وكي تمحى جريمته تحاول زوجته أن تجهضها بطريقة وحشية تودي إلى موتها , لا يوجد مريض أو مريضه إلى وقد نال منه ضياء بشيء ما ,أي أن الجميع تم اغتصابهم إما بشكل جسدي أو نفسي ,ولهذا ينتفض الجميع ,وكأنها ثورة على الجرائم التي ارتكبها ضياء بشكل بشع وليتم طعنه بالمدية عدة طعنات تماثل جرائمه بحق الجميع ,ويهرب بطل الفيلم (نور الشريف) وسط هذه الفوضى لكي يصفي حسابه مع زوجته ,ولكن يتم القبض عليه ,وهو في السيارة(البوليس) يشيع بنظره مصر كلها وكأنها مسوره بقضبان حديدية .
السيناريو ...والإخراج
لقد كتب السيناريو والحوار السينارست الرائع بشير الديك الذي قدم للسينما الكثير من الأعمال التي تغوص في عمق المجتمع المصري ,ليفجر أمامنا مفخخات فكرية ونفسية واجتماعية , وبشير الديك كعادته يرسم شخصياته بعناية فائقة وهي تحمل من البؤس الإنساني الكثير ,ويأتي هذا التعاون مع المخرج منير راضي ليكمل كل واحد منهما الآخر ,فقد أثبت منير راضي بأنه مخرج يمتلك حساً إنسانياً عالياً ,وقد رصد بكاميراته عذابات وجحيم هؤلاء البؤساء الذين يغرقون في العتمة دون أن يشعر بهم أحد ,قدم كل هذا بإيقاع سريع يرتقي بالحدث ,فجر عذاباتهم بطريقة صادمة للضمير الغائب ,منير راضي يعتني ببناء المشهدية البصرية دون ادعاء أو مباشرة ,ولكن بفنية حارة ,واستطاع أن يبدع مع ممثليه ,بدءاً من الفنان نور الشريف الذي أضاف الكثير لمسيرته الفنية ,الفنان سعيد عبد الغني تألق في رسم معالم وملامح الشر الكامن في الطاغية , الفنان نجاح الموجي الذي غادرنا باكراً قدم دوراً رائعاً .
زيارة السيد الرئيس
هذا الفيلم الثاني للمخرج منير راضي ,يعود بعد خمس سنوات لينجز لنا فيلماً ساحراً ,هو فيلم كوميدي بامتياز ,ولكنها كوميديا سوداء ,كوميديا تعتمد على التناقضات والمفارقات في المجتمع المصري البسيط ,لقد استفاد من حدث سياسي, ففي عام 1974قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بزيارة لمصر وقد رافقه الرئيس المصري أنور السادات بالزيارة للريف المصري وكأنهم بزيارة سياحية ,فيقدم لنا شرائح مختلفة ومتنافرة من المجتمع المصري وهي تنتظر هذه الزيارة ,وكأنها تحمل لهم الجنة الموعودة.
هذه الزيارة لم يقدمها منير راضي كفيلم تسجيلي ,وإنما تأتي براعته وتهكمه عبر فيلم روائي طويل, قدم دلالاتها الاجتماعية والسياسية والإنسانية بعمق فكري وفني ,فيلم زيارة السيد الرئيس يكشف زيف الوعود الأمريكية والغرب عامة فيما يقدمونه لبلداننا ,ومن خلال المعالجة مع حدث واقعي بدا وكأنه يقدم شريطاً مأساوياً لشعوب تحلم بقليل من الرخاء,والكثير من التحرر من سطوة الغرب .
النص الروائي....والسيناريو
الفيلم يتكئ على رواية الروائي يوسف القعيد (يحدث في مصر الآن) الذي أرخ بشكل روائي لهذه الزيارة ,وقد قام بكتابة السيناريو بشير الديك وأحمد متولي فتألقا في رسم شخصيات الفيلم وتقديم أجوائه ,هو عالم يقارب الخيال ولكنه يحمل بؤس الواقع ,فبراعة منير راضي في هذه الدلالات الموجعة وفي تقديمه بآلية من السرد السينمائي بفنية الراقية ,دون أن يقع في الخطابة والوعظ . منير راضي مخرج يحمل مشروعاً إنسانياً وفنياً متميزاً مع مجموعة من الفنانين ليقدموا سينما للإنسان والإنسان فقط .

 محمد أحمد خوجة