قصة قصيرة : الزميـــل القديــــــم

كنت واقفاً تحت أشعة الشمس المحرقة ، أترقب ( حافلة ) تقلني إلى المعهد الصيفي الذي أدرّس فيه .. كان الجو خانقاً ، والعرق الغزير يتدفق من جبهتي ورقبتي بل من كل خلية في جسدي !
وكنت متلهفاً إلى وسيلة نقل تنقذني مما أنا فيه ، وتحملني على جناح السرعة إلى حيث أريد ، فموعد حصتي قد اقترب ، ولم يبق أمامي غير دقائق معدودة .
وفجأة .. مرت أمامي سيارة سوداء فارهة ، مغرقة في الأناقة ، مسرفة في الجمال ، لم أدرك ما نوعها ، ولم أعرف من أي بلد منشؤها ! تجاوزتني قليلاً وهي تتهادى في مشيتها ، لكنها توقفت بعد خطوات ، ثم تراجعت القهقري ، حتى بلغت مكان وقوفي .
وتأملني صاحبها من قمة رأسي حتى أخمص قدمي .. تطاول بجسده قليلاً وفتح الباب المقابل لي وهو يقول :
-تفضل ! تفضل يا أستاذ !.
وتلفت حولي ، فلعل المقصود شخص غيري .. لكن صاحب السيارة أشار إليّ مردداً :
أنت ، أنت يا أستاذ ، ( تفضل !) واركب معي !
واقتربت منه بحذر شديد .. كان شاباً في العقد الرابع من عمره ، يغطي عينيه بنظارة سوداء ، ويرتدي ( بزة) رمادية في غاية الأناقة ، قال لي والسيجار الفاخر يتدلى من بين شفتيه الغليظتين :
ألم تعرفني بعد !
هززت رأسي ، ثم دلفت إلى جانبه ، وقد أنعشني العطر الباريسي الذي يفوح منه ..
حدّقت إلى وجهه بضع ثوان ، تمتمت بعدها :
ملامحك ليست غريبة ، لكنني لا أذكر متى التقيتك !!
قال ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة :
عد بذاكرتك إلى عشرين عاماً قد خلت ..
قلت وأنا أبتسم بدوري :
ها أنذا قد عدت .
استطرد قائلاً :
حسنٌ .. تصور غرفة الصف السادس الابتدائي ..
اتسعت ابتسامتي وأنا أقول :
ها أنذا قد تصورت !
تابع حديثه بأسلوبه الشائق :
والآن .. أريدك أن تتذكر وجوه الجالسين على مقاعد الدراسة .
وعدت أحملق إلى وجهه ، ألا حق تلك القسمات التي أخفتها تجاعيد السنين الطويلة ..
أخيراً قلت بلهجة مترددة :
إنك ( زهير) على ما أظن .. كنت تجلس في آخر الصف .. وقرب الزاوية اليمنى ؟!
هلل قائلاً : فعلاً ، فعلاً .
ومددت يدي ، لأصافحه بحرارة .
وسألت زميل الدراسة عن أحواله ، أين موقع قدمه في هذه الحياة ، وإلى أية مرحلة دراسية قد وصل .. وقبل أن يجيب عن أسئلتي ، نظر إلى محفظتي الجلدية وهو يتساءل :
أأنت أستاذ الآن ؟.
أجبته ، وشيء من الفخر يملأ كياني :
أجل ، فقد نلت شهادتي الجامعية منذ بضع سنوات ، وأنا الآن أحضر لدرجة الماجستير .
هزّ رأسه وهو يقول : أما أنا .. فقد تركت الدراسة لأمثالكم من المجتهدين .. أظنك تذكر كم كنت كسولاً وخاملاً ، وكم عاقبني المعلم لتخلفي عن تحضير الوظائف ، أو تقصيري عن حفظ الدروس !!
ابتسمت قائلاً : إنك تعيدني إلى الأيام الخوالي .. على كل حال ، ليس الهام وضعك في الماضي ، صحيح أنك لم تكن شغوفاً بالدراسة ، ولكن هذا لا يعني أبداً تعثرك في هذه الحياة .
نطقت جملتي الأخيرة ، من باب التشجيع ، والمجاملة ، و( جبران ) الخاطر !
وضحك صاحبي طويلاً قبل أن يقول : لا يا صديقي .. أنا أقدر عزاءك ! ولكن ليتك حوّلته تهنئة ..
قلت له : ماذا تعني ؟
أجاب ، وهو يشير بإبهامه إلى نفسه :
في الحقيقة ، أنا مسرور جداً لأنني كنت فاشلاً في المدرسة !
قلت : لم أفهم بعد؟!
قال : ياصديقي ... لولا هذا الفشل ، ما وصلت إلى ما أنا عليه من نجاح!!
سألته وقد تضاعف فضولي : أي نجاح تقصد ؟
أجابني بسؤال : هل أنت متزوج ؟
قلت مستغرباً : لا !
قال : هل عندك أولاد؟
قلت بعد تنهيدة طويلة : لا..
قال : وهل تملك بيتاً ؟
أجبته والغصة تأكل كلماتي : ومن أين أتي بثمن بيت ؟؟!
قال بخبث ، وهو يختلس النظر إلى ثيابي القديمة ، التي أكل الدهر عليها وشرب :
يا أستاذ أنا متزوج منذ سنوات ، وعندي أولاد ، وأسكن بيتاً في أرقى أحياء المدينة ..ربما لا تعرف مكتبي ، إنه مكتب للاستيراد والتصدير يؤمه المئات ، أما المخازن التجارية التي أديرها عن بعد ، فحدث عنها ولا حرج !
فتحت فمي لأقول شيئاً ، لكنه منعني من الحديث بقوله :
أعرف ما تريد الاستفسار عنه ، ولكن قبل أن تسألني : من أين لك هذا ، أقول : لعل استغنائي المبكر عن المدرسة ، وتعلمي البيع والشراء منذ نعومة أظفاري ...قد فتح عيني على السوق ، وعلمني من أين تؤكل الكتف.
وطفق يحدثني عن عمله التجاري ، المأخوذ به على حد الهوس ، تحدث عن صفقاته الكبيرة التي تعود عليه بالملايين ، عن عملائه المنتشرين في كل بقعة من بقاع الأرض ، عن زبائنه الذين ينشدون رضاه ويسعون دائماً إلى التواصل معه ، تحدث ... وتحدث ... وأنا أصغي إليه من دون أي تعليق ، وعندما انتهى ... ران صمت ثقيل ، لم أدر في أثنائه ماذا أفعل ! وفجأة ، قطعتُ الصمت ، وناشدته قائلاً :
قف هنا .. أرجوك .
ورفع رأسه متفرساً ، كأنه يستبين حقيقية ما سمع ... أكدتُ له رغبتي ، سألني إن كان هناك ما يزعجني ؟ اكتفيت بالصمت ولم أعطه جواباً .. حاول أن يثنيني عن عزمي بشتى الوسائل ، فوجهتي ما زالت بعيدة ، وشمس السماء ما زالت محرقة ... لكنني رفضت بإصرار أن أتابع طريقي معه ، وأمام إلحاحي الشديد ، اضطر إلى الرضوخ ، فاتجه نحو أقرب رصيف ، وما كادت عجلات سيارته تكفّ عن الدوران ، حتى فتحتُ الباب ، وترجّلت مسرعاً من دون تحية أو وداع !
تابعت السيارة سيرها بهدوء ، ووجهه المندهش يطل عبر مرآتها الجانبية .. تابعتها بنظراتي النارية ، ومازلت أتابعها ، وأتابعها ... حتى توارت عند أول منعطف !!