قراءة أدبية : هيكل النون يستقي صوره من الطبيعة

في ( قصائد في هيكل النون ) لنعمى أحمد سليمان أول مايشدني ـ كالعادة ـ عنوان الديوان ـ وماذا يريد الشاعر أن يسكب فيه من إيحاءات: 

ـ الهيكل موضع في صدر الكنيسة يقرّب فيه القربان, والهيكل البيت الضخم الذي يشيده اليهود لإقامة الشعائر الدينية .
ـ استوقفتني كلمة النون في العنوان كما استوقفت من قبلي الشاعر (منذر يحيى عيسى) فهل هي نون نبي الله يونس, أم نون والقلم, أم نون النسوة , أم نون ( نعمى)..؟
وعندما يأخذك العنوان كل مأخذ, فأنت أمام شاعرة فتحت أمامك أبواب الخيال ترود جزره وتمخر عباب بحاره.
في القصيدة الأولى من الديوان (أبي), بأناة ورفق, وبعيداً عن المباشرة تدلك الشاعرة على درب الحزن الذي سلكته لفراق أبيها, وتقول لك إنها أدمنت الحزن، وركبت مركب الشوق إلى ذلك الغائب الذي لن يعود, فحشدت الألفاظ المناسبة لجو القصيدة, مستفيدة من مخزونها الدينيّ وقراءة القرآن في ذلك. ( الغياب, الحنين، سفر الوداع، الحزن، الشوق، المقبرة, البكاء, الأنين..), ولا تجد غير صدر أمها تبثه الشكوى, وتلقي برأسها المكلوم عليه مستفيدة من الآية الكريمة: ( وهزي إليك بجذع النخلة, تساقط عليك رطباً جنياً):
لاتلوميني يا أماه
أنا أهز جذع الشوق
فيتساقط عليّ البكاء
ويعلو في صمتي الأنين
أبي مازال حارس اسمي
حمّلني حبّ هذي البلاد
وحملني عشق القافية
وفتح هيكل النون
ـ قصائد الديوان عبقة بالشفافية, ومنذ اللحظة الأولى تدلّك على أن صاحبة الديوان شاعرة, سكبت في قصائدها الجمال والحب, ووزعت أغراضها الشعرية بين تمجيد الوطن وقداسته وبين حب الوالدين, وبين الجانب الاجتماعي والوطني والوجداني.
ولم تعتمد الشاعرة أسلوب القصيدة النثرية ولا أسلوب قصيدة التفعيلة, فجاءت القصائد منثورة بلغة شاعرية, سلسة, بعيدة عن غموض الشعر الحر وإيحاءاته الرمزية المغرقة في الغموض, كما أنها اختارت الألفاظ الموحية, والتراكيب الجميلة التي صاغت منها صورها الشعرية التي قلما تخلو منها عبارة
بلادي الجائعة للفرح
تتركني على أرصفة الوقت
أتهجى الحياة
عيناي سحابتا شجن
تهطلان حين اشتياق ( من قصيدة نون .. والقصيدة ص 51 )
في هذه الكلمات القليلة خمس صور شعرية جميلة استخدمت فيها الشاعرة الاستعارة والتشبيه البليغ, فالبلاد امرأة تنشد الفرح الذي لايأتي والشاعرة تنتظره على دروب الزمن وهي تتأمل هذه الحياة, وعيناها مليئتان بالحزن الذي ينسكب حين تحركها نوازع الشوق.
جعلت الشاعرة معجم صورها حضن الطبيعة, تنتقي منه مايناسب دفقها الشعوري النبيل:
القرنفل البعيد
صار يماماً
وتقطف الأم الدمع
من عين الألم
اليمام يطير صوب وطن
وعاشقة تجدل انتظارها
أتراها حبيبة ذاك البطل
(من قصيدة للفجر ص 12)
يضم الديوان في دفتيه ثمانية وستين عنواناً, ويقع في (143) صفحة.

أحمد المحمد طه