قصة قصيرة :مــن نافــذة غرفتــي

البؤس مكتوب على جدران حينا وفي ساحاته وشرفته ، حتى نسمات هوائه وتغريد طيوره وكل ما فيه ينطق بالألم، ذاك ما تخبرني به أمي كلما طلبت منها أن أخرج لألعب، ومن في مثل سني لا يهمه سوى اللعب.
وبفضول الطفل أزيح الستائر السميكة عن زجاج غرفتي، أريد أن أثبت لها العكس، وإذا بي أرى شيخاً مسناً جالساً أمام دكانه، لم تشأ الأيام أن تمر دون أن تغرس حوافرها في وجهه الذي ما يكاد يبين منه سوى دائرتين صغيرتين تشعان بالشقاء وتخبران عما عانى ويعاني من مرارة الحياة....
تسير على الطرف الثاني من الشارع امرأة وكأنها في مقتبل العمر لولا أن القدر أقسم عليها ليجعلنها من أهل التعاسة، تحمل صغيرها بين ذراعيها وعلى ظهرها حقيبة ملأى بالهموم، تتشبث يد ناعمة لم تتجاوز الرابعة بطرف ثوبها خشية الضياع، فالزوج مسجون وهي أم لطفلين تستجدي أهلها حيناً وأهل زوجها حيناً آخر بما يسد رمق ابنيها ورمقها ....
وأحدث نفسي لابد أن كلام أمي أثر بي، ولكني لن أصدقه، أريد اللعب!!!
يعود ذاك الفتى ذو العاشرة من عمله حاملاً معه كيساً هو حصاد عنائه ليوم كامل، وقد احدودب ظهره، ليس من ثقل ما يحمل، ولكن مما لقي من إهانة وذل من رب عمله الذي لم يدرك أن لأجيره عمراً يقضيه الأولاد عادة في اللعب واللهو....
وعلى بعد خطوات رجل أضناه التعب يجر خيباته بعد أن عاد صفر اليدين، يرعبه التفكير بزوجته التي ستمطره بوابل من التهم والتجريح لتقصيره في تأمين احتياجاتها ومستلزماتها....
وأجيل الطرف فإذا بباب يفتح تطل منه صغيرة في الخامسة، شعرها لم يلق اهتماماً مذ خلقت، يدفعها أخوها الأكبر، ليس لأنهما يملكان والدة مهملة إلا ان الكثير من العمل ينتظرها لتنجزه بعد أن باتت المعيل الوحيد لابنيها وزوجها الذي أقعده الشلل منذ أعوام...
والآن أتساءل: هل هناك حي أكثر شقاء من حينا؟؟!!
تزيح ستائر غرفتي شمس الربيع ، وتريد الدخول....
أتململ في فراشي، تقترب مني لتوقظني بقبلة على جبيني، كم أنا محظوظة فالشمس والقمر اجتمعا معاً، وكأنهما لم يجتمعا لأحد قبلي....
أنهض مسرعة لأفتح النافذة.
استعدي للذهاب في جولة للحديقة المجاورة، بعيد الإفطار كما وعدتك!.
أركض إليها، احتضنها: أمي أحبك كثيراً.
أعود أراقب الشارع من نافذتي الصغيرة، هاأنذي أرى ذلك الشيخ المسن جالساً أمام دكانه، مرت الأيام والسنون عليه راسمة حكمتها، ففي كل أخدود على وجهه موعظة وخبرة يهديها لكل طارق يزوره بمشاكله، ينظر بين الحين والآخر إلى الساعة في دكانه، وأخيراً يبتسم، لم يبق إلا دقائق على وصول ولده.
ابن لم تنسه مشاغل الدنيا هذه الزيارة، هو يعلم أنها من أعظم البركات ليكمل يومه ويحصل رزقه، فضلاً عما في عنقه من دين لوالده إلى يوم القيامة.
تسير على الطرف الثاني من الشارع امرأة في مقتبل العمر، تحمل صغيرها بين ذراعيها وكأنها تمسك بالأمل، تبثه بنظراتها كل حب وحنان يمكن أن تمنحه أم، تحول نظرها إلى طفلتها المتشبثة بطرف ثوبها وتعطيها نفس الحب ونفس الحنان، هكذا تمضي الطريق تنقل حبها أو توزع حبها عليهما، وتعاهد نفسها على تربيتهما بقدر ما يؤتيها الله من سعة، ريثما يعود زوجها الغائب.
وينطلق ذاك الفتى ذو العاشرة بابتهاج يحمل أحلامه وآماله أو ربما هي من تحمله، ليحصل رزقه، قد يكون حرم الدراسة لهذا العام ولكنه يمني نفسه بأنه العام الأخير من دون دراسة، فعما قريب سيحصل والده على عمل جديد، مبلغ يسمح له أن يكمل علمه....
وبهمة وحيوية يخطو رجل خطواته الثابتة، تظهر البشاشة على وجهه، يتخيل زوجه وأولاده عند عودته مساء، وبكم من السعادة سيستقبلونه فرحين بما جلب لهم وإن قل.
قد لا يكون حينا الأكثر سعادة، ولكن هالة من الرضى و الأمل تحيط به.....
نزهة السيد