فنون تشكيلية : محاضرة للفنان محمود شيخوني: رسومات القصص الشعبية بسيطة ومعبرة عن تاريخ مرحلتها

لوحة شعبية التيناوي eff55

ألقى الفنان التشكيلي محمود شيخوني في المركز الثقافي العربي (ساحة العاصي) محاضرة قيمة عن الرسومات الشعبية التي ترافق القصص الشعبية ، ودورها في التعبير عن هذه القصص التي كانت من أهم محاور الثقافة في التعبير عن التراث والحكايات المتداولة على المستوى الشعبي .. ومما قاله :
التراث الشعبي بمجموعه يشكل جانباً هاماً من الثقافة الإنسانية .. فالفنون الشعبية تعبر عن الإحساس الفطري الصادق للإنسان ، دون تكلف لأن أشكال التعبير الفني المحسوسة في كل مجتمع هي التي توضح معالم الثقافة الشعبية ، وهذه الأشكال بما تتضمنه من تعبيرات فنية تلقائية ، تعبر عن الجانب المادي من الثقافة الشعبية ، الذي يندرج تحت اسم الفنون الشعبية التشكيلية.
لم تكن الفنون الشعبية بأقل أهمية عن الفنون الأخرى ، ويعود ذلك لصدقها وبراءتها ، ولتعبيرها عن الوعي الجمعي وذاكرته البصرية وهي أيضاً إحدى تجليات الهوية الروحية في شكلها البصري للمجتمع ، ولهذا نجد هذه الفنون قادرة على البقاء والاستمرار لأنها ذات صلة بالجذور والموروث الشعبي مما يجعلها تبقى حية.
وأياً كانت التسمية لهذا الفن «الفطري( الشعبي) التقليدي/الساذج» فهو فن كان ولا يزال جزءاً من الموروث الاجتماعي في ألوانه المختلفة سواءً بالرسم والتصوير أو النحت والفنون الأخرى مثل الأدب والرقص والتمثيل ، وإن هذا الفن بعفويته حطم كل المقاييس العقلانية كما حطم النسب الواقعية للشكل ، ولم يسر اهتمامه للمنظور التقليدي والتصوير الشعبي جزء من الفنون الشعبية العربية تبدعه وتمارسه طبقة بسيطة من الشعب هم الرسامون الشعبيون باستخدام مواد وتقنيات سهلة وميسرة بخطوط وألوان وأشكال لا تخضع لقواعد أكاديمية ، ولا أفكار وثقافات عليا وحديثة ، مليء بالرمز مرتبط بالتاريخ يعبر عن روح الجماعة ويسجل أحاسيسهم ومشاعرهم بشكل صادق ويؤكد الرابطة الأصيلة للإنسان العربي في وحدة التعبير ووحدة الفكر وتكامل المزاج النفسي ، فن تعبيري تلقائي وعفوي يحمل في ثناياه ثقافة عامة تختصر مفاهيمهم وتقاليدهم وعاداتهم وأفكارهم ونمط حياتهم.
قامت الفنون الشعبية منذ أقدم العصور الأولى ، وتناول التصوير الشعبي موضوعات الصيد التي رسمت خطوطاً وزخارف على الأحجار كما في منطقة النوبة بمصر وفي العهود الفرعونية وسادت رسوم تخطيطية موجودة بالأقصر ، أما في القرون الأولى من العهد الإسلامي حيث بدأت حركة التأليف والترجمة فقد ازدهرت الرسوم التزينية والإيضاحية داخل المخطوطات العربية القديمة ككتاب المسعودي بداية القرن العاشر الميلادي ، ورسوم كتاب ألف ليلة وليلة ورسوم الواسطي ، وكتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه ابن المقفع والكتاب العلمي «الحيل» للعالم ابن الجزري الذي كان الأساس لتطوير علم الميكانيكا ومقامات الهمذاني ومقامات الحريري.
اشتهرت سورية ومصر بالطباعة على الورق وذلك منذ أن دخلت فنون الطباعة ، ففي منتصف القرن العشرين طبعت بعض المطابع بـ/حلب/ آلاف الصور لهذه الرسوم الشعبية التي راجت في البيوت والقرى المحيطة بـ(حلب) وكانت من رسم (كمال جراب) وتوزيع مطبعة الريحاوي بخان الصابون.
ومن أهم مظاهر الرسوم المطبوعة على الورق صندوق الفرجة والتصوير على الجلد ، وهو نوعان رسم على الجلد البشري (الوشم) للشفاء والتجميل ورسم على جلد الحيوانات خيال الظل.
أما الزخارف على الخزف والفخار فكانت تزينية وعلى النسيج كانت لمنع الحسد وجلب الخير وضمان الإنجاب .. وجميعها كانت ترسم بالألوان الترابية وبياض الزنك الأبيض واللازوردي والماكيت الأخضر والكركم الأصفر وصفار البيض والصمغ العربي ولم يستخدم الزيت أبداً.
والموضوعات مستوحاة من سيرة عنترة ـ سيرة بني هلال ـ سيرة الزير سالم ـ سيرة الظاهر بيبرس ـ ورسوم دينية (آدم وحواء ـ سفينة نوح ـ الملك داوود _ ابراهيم الخليل ـ الخضر ـ يوسف وزليخة ـ الإسراء والمعراج ـ الحج ـ علي بن أبي طالب ـ الزيناتي خليفة ـ والأساطير).
وخصائص اللوحة الشعبية : الطلاقة في التعبير وهو فن تلقائي طفولي صادق لا يشترط فيه الدقة المتناهية ، حيث يبتعد عن المقاييس الفنية والنسب والتقيد بقواعد المنظور والتقيد بقواعد التشريح.
ومن أوائل الفنانين الشعبيين السوريين وأشهرهم محمد حرب التيناوي المعروف بأبو صبحي التيناوي وهو رسام شعبي ولد في حي الجابية بدمشق وتوفي فيه ، نال من الشهرة والاهتمام مالم ينله فنان تشكيلي سوري معاصر بالرغم من أميته وعدم التحاقه بمعهد للدراسة، والتزامه بالبقاء في مسقط رأسه (1888-1973).
ولد لأبوين متوسطي الحال الاجتماعي وكأي طفل عاش في بيت دمشقي قديم ، شكل الجمال جزءاً كبيراً من حياته ، يحيط به في ليوان البيت وأسقفه المزخرفة بمنتهى الدقة والحرفية ، وفي أشجار النارنج تملأ باحة الدار ، إضافة لممارسة أبيه مهنة الرسم الشعبي مما جعل (محمد حرب) أليفاً مع الرسم ، وخاصة أن أباه أحال إليه دوماً مهمة تلوين وزركشة لوحاته بعد أن يفرغ من رسم ملامحها وخطوطها الأساسية ، وبعد أن شب صار (محمد حرب) يعمل في دكان أبيه ويقوم بتنفيذ رسوماته الشعبية الخاصة به والتي استوحاها من قصص الحكواتي وعالم الخيال والسير ، ليستقل بعدها في دكان خاص به ويوقع أعماله باسم «أبو صبحي التيناوي».
الخط الأول عند التيناوي في الرسم لا يمحى ، ولا يتكرر، فالرسم هنا استجابة أولية ونهائية للوجدان والداخليات المترعة بالصدق والفائضة بالحساسية ، إنه ارتجال دائم من دون ابتزال ، ومن دون اختبار للمخيلة ، إنها الثقة النهائية بأن الفرشاة هي امتداد الروح ، والروح لاتخطىء.
تجربة «التيناوي» واحدة من أهم التجارب الفنية والتشكيلية العربية في القرن العشرين ومع ذلك لم تحظ بالاهتمام الملائم والمطلوب من قبل الدارسين العرب ، فقد وصل هذا الفن إلى قلوب محبي الفن في العالم قبل أن يصل إلى قلوب أبناء بلده ، لم يقم (أبو صبحي التيناوي) معارض فنية ولم يلق الاهتمام الإعلامي اللائق على الرغم من أن أعماله حصدت اهتماماً عالمياً حيث توجد لوحتان من أعماله معروضتان في متحف (اللوفر) في العاصمة الفرنسية.
صلاح أورفلي