الأم في تراثنا القديم (أوغاريت نموذجاً)

إننا حينما نتحدث عن مكانة الأم في مدينة أوغاريت (تل رأس الشمرة) قرب شاطئ البحر المتوسط, وعلى بعد 12 كم إلى الشمال من مدينة اللاذقية, وفي عصرها الذهبي, ما بين 1600 – 1200 ق.م, فإننا نتحدث عن مكانة المرأة عموماً, وما وصلت إليه من مكانة عظمية في ذلك الزمن الموغل في القدم, هذه المدينة التي عظَّمت من شأنِ المرأة, فكانت مكانة الأم فيها عاليةً, ترقى أحياناً إلى حدِّ القداسة، فقد عامل الأوغاريتي أمه باحترام شديد ومحبة، فكانت الأم بالنسبة لولدها منبع الحب والعطاء, ومصدر القوة والأمل، وهي المستقبل, وإرضاؤها ضرورة من ضرورات الحياة.
ومن أفضل من الشعراء والأدباء, لينقلَ لنا هذه المكانة للأم عَبْرَ قصيدةٍ كُتِبت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد, وهي تُعبِّرُ عن عاطفةِ شاعرٍ نحو أمه, بقوله:

أمي كنوزُ الأفق
غزالُ الجبل
ونجمُ الصَّباحِ المتألّق
وحُلي ابنة الملك السَّائحة بفتنتها
وتمثالُ الرّخام على اللازورد
وروحُ العاجِ الكامل المملوء بالفتنة
أمي, هي المطرُ في الوقت الجيد
وأول ماء الزرع، والمحصول الوفير، والقمح الرفيع
وثمار الربيع, ومنتوج نيسان
والجدولُ النّاقلُ للمياه العذبة إلى السهل
ومن النصوص التي اكتشفت في أوغاريت أيضاً, وتُنسب إلى الأدب (السومري الأكادي)، وهو عبارة عن رسالةٍ, كتبها شخص عُرِفَ عنه من مصادر أخرى, بأنه شاعرٌ، يوصي فيها ناقلها المتوجه إلى مدينة نفر (نيبور السومرية) البلد المقدس في بلاد الرافدين, بأن ينقل سلامه إلى أمهِ, بقوله: «إذا كنت لا تعرف أمي، فإني سأعطيك علامة فارقة لها», وهنا يبدأ الشاعر كلامه الرّاقي المُفعم بالمحبة والإحساس والشاعرية, بقوله:
أمي, هي ومضةُ السَّماء، وبهاءُ الخيال,
هي نجمةُ الزهرة, والضياءُ المُشع
هي اللازورد من بلاد بابل، والبلور من (مرحشي)
هي حليةُ ابنة ملكٍ تفيضُ سحراً
هي قطعةُ فيروزٍ، ووعاءٌ فاخر
هي سوارٌ من معدنٍ أبيض، وخاتمٌ من حديدٍ ثمين
هي قطعةٌ من ذهبٍ، وفضةٌ خالصةَ
هي حليَّةٌ نفيسةٌ مُدلّاةٌ على العنق
هي تمثالٌ من الرخامِ على قاعدةٍ من اللازورد
هي لوحةٌ عاجيةٌ كاملةٌ ملآى بالسحر
ثم يتابع النص بقوله: «سأعطيك علامةً أخرى لأمي»:
أمي, هي الغيثُ يأتي في أوانه
وهي القطرةُ الأولى للمزروعات
هي الغِلالُ الوافرةُ، والقمحُ المحصود
هي حديقةٌ غنّاء مُفعمةٌ بالبهجةِ والحبور
هي صنوبرةٌ مرويةٌ تُزينها جوزاتها
هي أولُ ثمارِ العام، ونِتاجُ نيسان
هي جدولُ ماءٍ، يجلبُ الخيرَ إلى البساتين
هي البلحُ العسليُّ من بلاد دلمون، أطيب أنواعِ البلح
ثم يتابع النص علاماتٍ أخرى عن الأم, وبأسلوب شعري بعيد عن التحديد.
لكننا إذا ما قارنا بين النصين السّابقين, نرى ونلمس أنهما لشاعر واحد, أو على الأقل لشاعرين ينتميان لنفس المدرسة الشعرية، ألا وهي مدرسة أوغاريت للشعر، هذه المدرسة التي تتصف بالرقة والرومانسية والشعر الوجداني, المُفعم بالحب والأحاسيس, والبوح الجميل المليء بالانفعالات, التي تظهر دائماً بشكلٍ واضح من خلال الكلمات الشعرية الرقيقة تارةً, والهائجة طوراً, لكي تُعبِّر عن مكنونات الشاعر.
وهنا, وفي هذا النص, نراها مُعبِّرةً بشكلٍ صادق عن مشاعر الحب والاحترام للأم, مُعطيةً المثل الأعلى في الوفاء لها كأنثى بشكلٍ عام, مؤكدةً على دورها الكبير في أوغاريت, كواحدةٍ من أعظم المخلوقات, وأعلاها مرتبة في العقل الجمعي الأوغاريتي – وهنا - حينما نتكلم عن الأم, فإننا نتكلم أيضاً عن الزوجة والأخت والابنة, لأنهن جميعاً في مرحلة ما ستصبحن أمهات, ويُعاملن معاملةً خاصة, كرمز للعطاء والخصب والأمل. وهنا مُجدَّداً, نسأل أنفسنا: هل ما زالت مكانة الأم في عصرنا الحالي على نفس هذه الدرجة من الرّفعة والسمو؟... سؤال برسم الجميع!!.

نزار مصطفى كحله