العمى (الأبيض) وخوسيه ساراماغو

قراءة العمى 474e4

في روايته (العمى) الصادرة عام 1995م, يُقدم لنا خوسيه سارماغو وجبةَ دسمةَ من الترميز والإسقاطات المُعتمدة على خلفية إيديولوجية عميقة, وحسٍ إنساني مُتأصل, وبشيء من التهكم, الذي – طالما - وسَمَ أسلوب وروايات ساراماغو المختلفة, التي عادةً ما تنتهج مبدأ الترميز والتورية والاعتماد على التاريخ والدين – أحياناً - كحامل (فضْفاض) يمكن تحميله الكثير من الأفكار والاسقاطات.
وساراماغو روائي برتغالي ولد عام 1922م بمنطقة أريناغا (وسط البرتغال) لعائلة من الفقراء المزارعين, وقد بدأ حياته كصانع أقفال, ثم عمل في الصحافة والترجمة, قبل أن يُكرِّسَ جُلّ وقته للأدب, وقد أصدر العديد من الروايات والأعمال الشعرية, ونال العديد من الجوائز, منها: جائزة نادي القلم الدولي عام 1982م, وجائزة كاموين البرتغالية عام 1995م , وتبقى جائزة نوبل للأداب عام 1998م من أهم جوائزه. وهو عضوٌ في الحزب الشيوعي البرتغالي منذ العام 1959م.
ففي روايته (العمى) يتحدث ساراماغو عن حالةٍ من العمى الأبيض, التي يفقد فيها الإنسان بصره, ولكنه يرى بياضاً واسعاً يملأ السّاحة البصرية, على خلاف السَّواد, الذي يحدث في العمى الطبيعي, والمثير في الأمر, أن هذا العمى, يمكن أن ينتقل من شخصٍ إلى آخر عبر الملامسة المباشرة, أو حتى لمجرد التقابل في نفس المكان, مما يُشكِّل خطراً حقيقياً على الجميع.
ومن دون مقدمات وإظهار الأسباب, يُصاب شخصٌ بالعمى أثناء قيادته لسيارته, مما يؤدي إلى توقف السير, فيساعده شخصٌ آخر للوصول إلى بيته, لكنه يسرق سيارته, وأثناء متابعة حالته المرضية مع الطبيب, ينتقل هذا المرض إلى زوجته وإلى الطبيب, مما يُثير اهتمام الطبيب وزملاؤه, الذين لم يجدوا تفسيراً علميّاً لهذا المرض (الوباء الغريب). وهنا تبدأ رحلة انتشار هذا الوباء بشكل سريع, لكن الروائي- هنا يُركِّزُ على بعض الأشخاص (أبطال الرواية) الذين أصيبوا مبكراً بالمرض, مما أودى بهم للدخول إلى الحجر الصحي, وحالةٍ من الرعب, أصابت وزارة الصحة, مع سرعة انتشار هذا الوباء.
وفي هذا الحجر الصحي المليء بالأوساخ والقاذورات, التي شكَّلت أغلب معاناة المُصابين, خاصةً مع ازدياد الأعداد يومياً, وظهور فئة من القتلة السَّفاحين, الذين استغلوا عدم قدرة الحرَّاس على الدخول إلى غرف الحجر, خشية من العدوى, إضافة إلى امتلاك هؤلاء القتلة لسلاحٍ ناري, تمكنوا بواسطته من السيطرة على باقي أفراد المُحتجزين واستغلالهم بشكل قذر جسدياً ونفسياً, ومع وجود زوجة الطبيب, وهي الوحيدة القادرة على الرؤية, فهي لم تُصَب بالمرض, استطاع أبطال الرواية (المُصابون الأوائل) التغلب على القتلة, والهروب مع كل أفراد المجموعة, بعدما هرب الحراس, أو أصيبوا بالوباء, لكن بعد فوات الأوان, لأن المدينة (المجهولة الاسم) بأسرها, كانت قد أصيبت بشكل كامل, مما أدى إلى انتشار أعمال القتل والسرقة والنصب بين كل هؤلاء العميان, بُغية الحصول على الطعام, الذي بات هو الشغل الشاغل للجميع.
ومع تزايد الأزمة وظهور بعض الفئات, التي حاولت استغلال حاجة الناس, وبدء تفسخ المجتمع من الداخل, وإظهار بعض حالات الانحراف, بسبب غياب السلطة والرقيب, ومع تفشي حالات القتل والشذوذ, ونتيجة لوجود بعض (الصالحين), بدأ (في نهاية الرواية) البصر يعود للجميع تدريجياً, وهنا تنتهي الرواية بعودة الأمل من جديد.
وفي المحاولة الجادة لفهم خلفيات هذه الرواية, لا بدَّ من الإشارة إلى بعض النقاط, التي – ربما - تُشكِّلُ الحامل الأهم في فهم وتفكيك هذه الرمزية, منها:
عدم وجود زمان ومكان محدد للحدث.
ظاهرة العمى الأبيض غير الطبيعية.
عدم وجود أسماء لكل أفراد الرواية, وحتى المدينة والأمكنة.
إصابة كل الناس, باستثناء زوجة الطبيب, التي ضحَّت بنفسها, ودخلت إلى الحجر الصحي, مُدَّعيةً أنها مصابة, كي تساعد زوجها هناك, ومن ثم الاعتماد عليها في الدفاع عن كل أفراد المجموعة, داخل الحجر, ومن ثم خارجه.
أبطال الرواية هم ستة أشخاص, هم: الأعمى الأول, زوجة الأعمى الأول, الطبيب, زوجة الطبيب, الفتاة (العاهر) ذات النظارة السوداء, الكهل ذو العين المعصوبة, الطفل الأحول, إضافة إلى الكلب الذي يلعق الدموع.
الاعتماد على ظاهرة خيالية, وهي انتشار ظاهرة العمى بشكلٍ غير علمي.
وبالاعتماد على هذه المعطيات, يمكن الخروج ببعض النتائج المهمة:
اعتماد الروائي على فكرة (العماء) التي - عادةً ما - ترد في كتب التاريخ والأساطير, كحالةٍ من الفوضى سابقةٍ لحالة الاستقرار والنظام, وهي مماثلة للحالة التي قد تصل بالإنسان في عصرنا الحالي, عصر العلاقات المادية والاستغلال, التي قد تودي بنا, إلى حالةٍ تشبه حالة العماء الأولى, عبر فقد البصيرة وليس البصر, على اعتبار أن البصيرة, هي حالةٌ من العمى الأبيض, والبصر هو العمى الحقيقي.
وللتأكيد على هذه الحالة من النكوص, يعتمد الروائي على عدم ذكر أسماء لأبطال روايته, إذ يمكن أن نعتبر أن كل شخص من هؤلاء الأبطال, يُمثِّل فئة كبيرة من المجتمع, بلا زمان ولا مكان, لذلك يمكن اعتبار الأعمى الأول, بمثابة التذكير بالنبي آدم وارتكابه الخطيئة المعروفة, وعقابه عليها, وإن اشراك الكلب, الذي هو أول حيوانٍ دجَّنه الإنسان يؤكد هذا التوجه, وإذا ما اعتمدنا هذا المنهج, على باقي أفراد الرواية, يمكن الوصول إلى نتيجتين أساسيتين:
إن الكائن البشري في سلوكه الحالي, من العلاقات المُفرطة في المادية, قد يُعيدنا إلى حالة من العمى (العماء) التي نفقد فيها إنسانيتنا, وبالتالي فسحة الأمل.
الاعتماد على فكرة أن المرأة, كحالة من الآلهة الأم في التاريخ القديم, ومكانتها في العقل الجمعي, كنموذجٍ للخصب والعطاء, والعلاقة الروحية (الإنسانية) بين الأفراد, في العصر الأمومي (الماتريركي) والتي رمزت لها زوجة الطبيب, وهي الوحيدة التي لم تُصب بهذا الوباء كدليلٍ على هذه الرؤية, وهي بنشرها ثقافة المحبة, مقابل ثقافة المادة والسلعة, التي انتشرت مع انتشار العصر الذكوري (البطريركي), هي الرَّجاء في الخلاص.
وهنا أود القول: يمكن إضافة الكثير من التحليلات والإسقاطات في هذه الرواية, لكن, ولضيق المجال, ومحاولة إبراز الفكرة الأهم فيها, أكتفي بهذا القدر, وتبقى هذه رؤية شخصية غير مُلزمة, ولكم حرية القبول أو الرفض.

نزار مصطفى كحله