ألوذ بطلِّ عنادكِ

قالت الأرض : على صدري ترقص الفصول وتوغل المحاريث في أعماقي ، ويبدأ الرحيل الموسمي ، وتلتقي مواكب العزاء ، وتتنهد الأنهار فارشة على جبينها العطاء والاخضرار ! وتتلعثم العصافير ، تغير (مرسح) الأعراس ، وترتعش الدروب صدى الأقدام الحافية ، تتحاور الأنخاب على موائد الزمان والمكان !، وتبدأ مرحلة الوجود ، هكذا يولد الضياء في مراتع التعب، وتشرق الشمس في ملاعب الحرية ، ويعتلي الصهيل (دكة) المواقف !.. وتهز (المرياع) رأسها علامة للفرح القادم ، وتستيقظ المواويل مع ندى الصباح ، وتبدأ القصيدة.
ماذا عنك أيتها المتعبة الغافية على ركبتي ؟ هاهي ذي المسافات تقصر ، والوصول قد .. بدا ..! وشوشي روعة اللقاء ، وسايري الركب حتى نهاية المطاف ، مغرورة أنت يا طفلة الحقول ، بكاؤك البارحة كان ضرباً من المراوغة والخداع ، تسخّين الدموع بلا مبرر أو مقابل ، وترتبكين في حضرة الحقيقة ، تدوسين الجمر اللاهب وتلهثين وراء الكلمات الممنوعة من الصرف والتأويل والتدويل،! حوارك الرمزي أقلقني إلى حد صرت أرى فيه الموناليزا مهزلة الفن والجمال، وخارطة شوهتها معاهدة سايكس بيكو ومؤتمراً من الكراسي الفارغة من أصحابها ! هكذا تتراءى لي الأشياء معدومة من الحركة واللون والبركة...
أدخل في ألوانك طيفاً .. منشرح البال ، الملفلف أحلى أمسياتي الباردة ، ومهمة الوله الغريب ، ألوذ بظل عنادك حين تدلهم الواقعة ، وأحبو كرضيع في حجرات حبك ، وألبس عباءة حضارية أستعيد من نسيجها ضوء الذين وهبوا الحياة دفقة من البقاء والنماء وزينوها بالعطايا ، وفتحوا البوابات والنوافذ لكل الأرياح القادمة والرائحة ! هؤلاء شمخوا بالتاريخ إلى أعلى القمم ، وأناروا العالم بمصابيح الأبجدية الأولى !.. ولونوا الأشرعة بالأرجواني ، وحرضوا الرمال ، وعبروا المضائق .. وهددوا .. الخلجان زراعين المعرفة وحب الإنسان.
أدعوك إلى قلبي تسكنين بين النبض والإغماء ، تتمدمدين بارتياح على العشب الطري ، تستريحين من هول الصدمة القاتلة تغتسلين بالأحلام الندية تنظرين إلى المدى الأزرق ، تعبره الغيوم المجروحة .. من جلد الرياح ، تنزف وهي راحلة نحو الشرق إلى البادية حيث تستقر ظمآى بعد أن نهبها السفر وأفرغ حمولتها على الطريق.
بين الغريق والغريق مسافة من الموت وبين القلب والقلب مراحل من البكاء وأزمنة من الطقوس ، لاوقت للحوار ، يارفيقة الطريق ! فالليل غطى بعباءته السوداء ، حيث لا نجوم ولا قمر .. فالكل بين خبايا الغيم اندثر!..
أدعوك إلى الحضور إلى قاعة تضج بالمسافرين ، والمناديل ، والنحيب ، وصدى القبلات الحرون ، والنظرات الخائبة ، والشفاه المرتجفة والأصابع الحذرة ، إنها ساعة المغادرة.
أدعوك لحضور أمسية شعرية ، وأنت القصيدة ، والشاعر والحضور والتصفيق وباقة الورد والكاسيت والطاولة ، وصوت آذان العشاء ، وجلبة الكراسي المقلوبة على بعضها ورفة عين صبية واحدة حضرت حتى تعرف من هي عشيقة هذا الشاعر.

 خضر عكاري