انغمار برغمان ذو عالم غرائبي

إن عالم انغمار برغمان ينتمي للجنون , طبعاً الجنون الخلاق ,جنون في مواجهة الواقع بشكل صدامي , فهو يمتلك الجرأة في تعامله مع الأطروحات المؤرقة للواقع الإنساني ,واختراقه للتابوات , بشكل فني مذهل ,صاحب رؤيا في إنتاج واقع مرصع بألوان الحياة .
بداية مضطربة
مشهد حريق وهو بعمر السادسة ,أجج هذا المشهد مخيلة الصبي ,فحمل الكاميرا وبدأ يسجل كل ما هو غرائبي في الحياة ,الكاميرا هي عينه التي أبصر بها عالماً متهالكاً متخماً بالتناقضات الصارخة , تابع أفلام السينما والتلفاز بشغف المبدع ,لقد كان والد برغمان قساً ,وقد تولى خدمة كنيسة البلاط الملكي في السويد في أواخر حياته , وقد أثار فيه مسألة الجحيم ,فبدأ يردد قائلاً : هل العالم جحيم ....أم هو مفروض بقدرة قادر في ملكوت السماء ....أم إن الجحيم هو من صنع البشر وهو موجود على الأرض ,فهنالك شر فتاك لا يمت إطلاقاً بصلة إلى الوسط أو العوامل الوراثية : إنه (الخطيئة) التي تجهلها الحيوانات ,إن الإنسان يحمل في داخله نزعات إلى تدمير ذاته وإلى تدمير كل ما يحيط به ,والشيطان موجود داخل عقل كل كائن بشري ,إن هذه الأسئلة الشائكة المعقدة جداً ,بدأت تأخذ مساحة شاسعة من فكره ورؤاه ,نعم هو في صراع نفسي فكري حاد . في المرحلة الجامعية كتب قصصاً ومسرحيات ,بل ونصب نفسه مخرجاً مسرحياً على مجموعة طلاب ,في عام 1944كان برغمان يعاني عقدة الحياد ,ويأخذ على بلده امتناعه عن خوض الصراع ضد النازية ,فقدم سيناريو فيلم (الآلام) الذي أخرجه آلف سيوبرغ ,وفي فيلم (الظمأ)عام 1949 ,يجتاز قطار الدرجة الأولى بال-ستوكهولم الأراضي الألمانية حيث الجروح الفظيعة التي خلفتها الحرب ،مازالت الأرض مفروشة بالدماء ,وفضح بفيلم (الختم السابع) جوهر المأزق , بصورة سافرة لا تدع مجالاً للبس فكتب يقول: لقد عاد الفارس من حملته الصليبية كما يعود الجند اليوم من الحرب ,لقد كان الناس في العصر الوسيط في حالة ذعر دائم من الطاعون ,أما اليوم فإنهم يعيشون في هلع دائم من القنبلة الذرية .
سينما الجرح الواسع
لقد قدم انغمار برغمان سينما تفتح جراح الإنسان المعاصر ,فسطر قائلاً : والواقع أن الدعوة إلى الحرب الصليبية كانت قد صدرت عن كاهن خلع عنه ثوب الكهنوت وراح يمارس السلب والعنف والاغتصاب ,وهذا يعني أن الحرب المذكورة لم تأت لرغبة في مكافحة قوى الشر بقدر ما جاءت تلبي عدوانية جماعية ,وفيلم (الختم السابع) أكد ما ذهب إليه ,وتابع مشروعه السينمائي فقدم فيلم (المتناولون) الذي سطر لكابوس جماعي يجتاح البشرية ,وتجسد بشخصية الصياد الخشن العاجز عن التعبير عن أفكاره ومشاعره ,وخصوصاً بعد أن سيطرت عليه فكرة امتلاك الصين للقنبلة الذرية وتصميمها على اللجوء إلى استعمالها في القريب العاجل ,وربما من أجمل أفلامه فيلم (بيضة الثعبان) عام 1923أحداث الفيلم في برلين ,هي أجواء كابوسية مرعبة ,عن بذور اللاسامية وسمح بسطوع النازية ,فالطبيب بالفيلم ليس برائد لأطباء معسكرات الاعتقال الذين أجروا تجارب آثمة وحقيرة بآن معاً : مقاومة الجسم البشري للبرد ...بل ذهب أبعد من هذا ,هو يجسد مقدما التطبيقات العلمية الحديثة التي تسمح بتحطيم الشخصية وتدميرها ,من غسل الدماغ ..إلى التعذيب الممنهج ,إنه يدعونا لنكتشف بأنفسنا ما يمكن أن يحصل إن لم تر أنظمة الحكم القائمة من غضاضة في استعمال هذه الطرائق على نحو منهجي , هي دعوة لإسقاط أنظمة تتاجر بالإنسان تحت يافطات خادعة كاذبة .
رغم هذا السجل السينمائي المشرف لبرغمان وتقديسه للإنسان ,إلا أنه قدم فيلم (مونيكا) واعتبره أحد مديري الشركة المنتجة بذيئاً ,وكتب ناقد سينمائي في كبرى الصحف السويدية :أرفض النظر عن كثب في القيء والاستفراغ اللذين خلفهما برغمان وراءه ,وفيلم (الصمت) يقدم عوالم جنسية بشكل صادم ,وأحدث ضجة أينما عرض ,ففي فرنسا رفضت لجنة الرقابة بالبداية منح الفيلم سمة الدخول والعرض ,وقد حذف منه بعض المشاهد وهذا ما طالب به نائب بالبرلمان الفرنسي ,يروي برغمان أنه بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة من عمره ,أقام علاقة مع فتاة من عمره علاقة جنسية من قبيل التمرد على أسرته الطهرانية وقد اتسمت بالندم والخطيئة والشعور بالإثم والقلق .

محمد أحمد خوجة