أنا لم آت لألقي خطاباً

يتنوع الكتاب والمثقفون في مواقفهم من إسماع أصوات مشاريعهم الفكرية والوجدانية والجمالية في الحياة، شكلاً ومضموناً. قسم منهم يحب إلقاء المحاضرات والخطابات، لإيصال تلك الأصوات، بينما يحب قسم آخر منهم اتباع سبل الكتابة ونشرها في الصحف والكتب، لتسريب تلك الأصوات بين سطورها، منطلقا من قناعة راسخة بتفوق الحرف المكتوب على مكبرات الصوت. من الغريب أن تجد كاتبا عالمياً مهماً، حائزاً جائزة نوبل للآداب، يعبر عن نفوره من ذينك الموقفين، مصرحا غير مرة، بمثل قوله في كلمة ألقاها في كاراكاس بفنزويلا، في الثالث من أيار عام 1970: «بدأت أصير كاتباً، بالطريقة نفسها، التي صعدتُ بها إلى هذه المنصة: مكرهاً». (1)
كان غابرييل غارسيا ماركيز قد أصدر حتى ذلك التاريخ، خمسة كتب أدبية مهمة، حققت انتشاراً واسعاً في بلاده «كولومبيا»، وغيرها من بلدان أمريكا اللاتينية، فضلاً عن انتشارها مترجمة في عدد غير قليل من بلدان العالم، مانحة اسم صاحبها مكانة لافتة متنامية في الآداب العالمية. ألقى ماركيز (المولود عام 1928) كلمة في احتفال مدرسي، وهو «في السابعة عشرة من عمره، لوداع زملائه في مدرسة ثيباكيرا، عام 1944... قال في تلك الكلمة «أنا لم آت لألقي خطاباً»، معبراً عن نفوره من إلقاء الكلمات أمام الناس، ذلك النفور الذي تداخل مع استياء مماثل من فعل الكتابة أيضاً، في كلماته وتصريحاته اللاحقة على مدارج الحياة، مما يعني أن ذينك النفور والاستياء يظلان موضوعاً قابلاً لتحليل الباحثين و دراساتهم، توقاً إلى تفهم أمثل لمثل هذا الموقف الراسخ لدى واحد من أبرز كتاب الأدب العالمي في عصرنا، وهو موقف شائع لدى غيره من الكتاب أيضاً. بعد تلك الكلمة التي ألقاها صغيراً في احتفال مدرسي، ألقى ماركيز كلمات كثيرة متنوعة في غير مناسبة، من أهمها كلمتاه اللتان ألقاهما – وهو في الرابعة والخمسين من عمره- في كانون الأول عام 1982، في ستوكهولم بالسويد، بمناسبة منحه جائزة نوبل للآداب، قائلاً: «إنني أفهم الجائزة التي تلقيتها للتو، وبكل تواضع، على أنها كشف مواساة، عن أن محاولتي لم تكن بلا جدوى. ومن أجل هذا أدعوكم جميعا لرفع نخب على شرف ما قال شاعر عظيم من أميركانا، لويس كاردوثا آي أراغون، إنه الدليل الوحيد الملموس على وجود الإنسان: الشعر». (2)
قام كريستوبال بيرا، متعاوناً مع ماركيز وآخرين، بجمع تلك الكلمات – الخطابات، ومراجعة نصوصها، ونشرها في كتاب، اختار له ماركيز نفسه، عنوانا من كلمته المدرسية صغيراً، تلك الجملة: «لم آت لألقي خطابا»، وصدر باللغة الإسبانية .... لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى اختلاف هذه الكلمات التي ألقاها خطابات في محافل ومناسبات مختلفة، عن مقالات ماركيز الصحفية، التي «جمعت وتقع في عدة مجلدات». (3)
ترجم صالح علماني هذا الكتاب المهم، وصدر عام 2011 ضمن منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، حاملا الرقم 101 في سلسلة الكتاب الشهري – آفاق ثقافية، تلك السلسلة التي ستصدر لصالح علماني بعد عام من ذلك، في عام 2012، الكتاب ذا الرقم 106، متضمنا ترجمته لمؤلف «قصص من أمريكا اللاتينية»، ومنها قصة لماركيز بعنوان «ليلة الكسوف» (4).
حاشية:
1، ماركيز، غابرييل غارسيا، 2011- لم آت لألقي خطابا. الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، (160ص). ص9.
2، المصدر نفسه، ص31
. 3، أبو الوي، د. ممدوح، وزميلاه، 2007- الآداب العالمية. جامعة البعث، حمص، (ص470). ص330
4، ماركيز، غابرييل غارسيا، 2012- قصص من أمريكا اللاتينية. الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، (301ص). ص199.

د. راتب سكر