قمامة تكاد .... تغرق الجميع

قمامة 8af59

للحرب وجه القبح والبشاعة , تكسر الرجولة وتعطب المثل والقيم العليا , وتحيل كل شيء إلى مسخ مشوه , تفتت الأسرة ,تدمر العلاقة الزوجة ,تبني علاقات بعيداً عن القيم والمبادىء الإنسانية , لتحل مكانها القمامة .
قمامة ...قراءة في مخلفات الحرب
في اليوم الثالث من مهرجان حماة المسرحي , قدمت مديرية المسارح والموسيقى –فرقة المسرح القومي في السويداء مسرحية (قمامة ) تأليف : علي الزيدي ,حاول الكاتب أن يقدم صفحة من مخلفات الحرب ,فالحرب التي تطيح بالبشر والحجر , ترسم مصائر للناس بعيداً عن أرثهم الإنساني , زوج يعود بعد غياب طويل لبيته ليجد أمه وزوجته قد حولا منزله إلى وكر للدعارة , يصعق مما سمع وشاهد منهما بعد أن حاولا أن ينكراه في البداية , إن فكرة النص المسرحي مغرية جداً ,لأنها تضيء معالم في النفس والسلوك البشري والتحولات العميقة والجوهرية التي تنتجها الحرب , ولكن ما شاهدناه كعرض مسرحي ,لم يرتق لمستوى الحدث الدرامي , إذ إن المؤلف لم يبرر السقوط المريع للعائلة في مستنقع الرذيلة ,وكأنه يقول لنا هذا ما حدث , لأنه يبني نصه المسرحي على هذه الفكرة المغرية والمؤلمة ,فالأم والزوجة لم تقدما خطاباً يبرر الحالة العدمية التي أوصلتهما إلى مهاوِي الرذيلة , حتى الزوج عند أول جولة من التعذيب (وهو المشلول) يستسلم و يتحول لقواد لزوجته وأمه ,دون أن يقنعنا (درامياً) بهذا السقوط الشنيع .
الإخراج ...ينجح قليلاً ...
قام الفنان سمير البدعيش بإعداد وإخراج هذا النص المسرحي , طبعاً كوننا نجهل النص الأصلي فلا ندري إلى أي حد أضاف أو رمم النص ليصبح عرضاً مسرحياً . ولكن الفنان سمير البدعيش نجح في قراءة النص الورقي ليقدم لنا بعضاً من حلوله البصرية وخصوصاً بداية العرض المسرحي عندما قدم رقصاً تعبيرياً وأثناء هذا ترتفع (الناموسية) لتدلل على غرفتين للعهر الأولى للزوجة والثانية للأم ,تلك الدلالات التي تتماهى مع فكرة العرض عمقت الحدث المفجع , وفكرة المرآة في عمق المسرح , كل هذه الرموز ذهبت للعرض باتجاه رؤيا لواقع يسكنه العار ,ولكن بعض الدلالات (مثل حركة الكرسي والدوران حولها) لأنها تكررت أكثر من مرة فقدت بريقها ,ورغم كل هذا , فإن هذه التجربة للمخرج سمير البدعيش تعتبر متطورة قياساً بما شاهدته من تجارب قديمة شاهدتها في دورات سابقة لمهرجان حماة المسرحي .
الأداء ...لم يرتقِ
قام الفنان معن دويعر بدور الزوج (المشلول) يتحرك على كرسي متحرك , وكون الفنان أسير هذا الكرسي فيجب أن يمتلك طاقة هائلة في تعبير الصوت ,وتعبير الوجه ,فكان في بعض المشاهد يحضر بألقه وتارة بمشاهد أخرى يتصرف دون دفء وحميمية ,وهكذا ترك تأثيراً واضحاً على مجريات العرض المسرحي ,ولعبت دور الزوجة ( خلود المصطفى ) فكانت من لعبت دور الزوجة ذات حضور مسرحي أفضل ممن لعبت دور الأم (اعتدال شقير ) ورغم تقدمها بالسن إلا أن خبرتها لم تكن متقدمة مثل سنها , ورغم هذا قدمتا أفضل ما عندهما .
الرقص التعبيري و السينوغرافيا والإضاءة ...
قدما لوحتين من الرقص التعبيري كل من الفنان عمران شقير والفنانة ملك أبو سعد اللوحة شكلت مدخلاً بصرياً جميلاً للعمل ولكن اللوحة الثانية لكونها تنتمي لرقص البالية فكانت مقحمة على العرض وكأن الحدث في فضاء أجنبي ,وكان يحتمل ان يقدم الرقص الشرقي للدلالة على مكان الحدث , ولكن تأثيرهما في العرض المسرحي كسحابة عطر .
هناك جهد جميل ابدعه الفنان فؤاد نعيم فرسم سينوغرافيا تعمق الدلالات لماخور العهر وشاركته صاحبة الإضاءة فادية أبو ترابة بهذا الحضور اللطيف , مساعد المخرج ومن اختار الموسيقى الفنان أيمن غزال ترك أثراً في العرض المسرحي .
كلمة أخيرة


هذا العرض بمفرداته الفكرية والفنية لو أعيدت قراءته من جديد من المؤكد سيرتقي كثيراً, ورغم هذا هي تجربة تستحق كل الإعجاب والاحترام .

محمد أحمد خوجة