وللمرض من فضائل أيضاً

من أجمل وأبلغ ما قيل في العافية هو ما خطه إمام الفصحاء وسيّد البلغاء الإمام علي كرم الله وجه وهو يوصي ولده الحسن إذ قال : 

(( بنيّ
إني ذقت الطيبات كلها فلم أجد أطيب من العافية واني ذقت المرارات كلها فلم أجد أمر من الحاجة إلى الناس ونقلت الحديد والصخر فلم أجد أثقل من الدين واعلم أن الدهر يومان يوم لك ويوم عليك فإن كان لك فلا تبطر وإن كان عليك فلا تضجر فكلاهما سينحسر))

كلّما ألمّ بي مرض رحت أردّد وانا على فراشي تلك الأقوال والنصوص التي تؤكد أهمية الصحة وما متّعنا به الله عزّ وجل من عافية ..
أنظر في حالي ..مرآتي.. قسمات وجهي التي ازدادت شحوبا ووهنا يوما إثر يوم ..أغور طويلا في بئر روحي وأصغي مليّاً لتلك الأصوات العذبة الجميلة التي خفتت حين غرّة
يا الله كم نحن نعمة ونعيم لم نكن ندرك ما هيتهما على وجه حسن ..وكم كنا ماكنا عليه وألق وبهاء وحبور ..نسافر والأصدقاء..نشارك الأخوة بفعاليات ولقاءات وحفلات ومناسبات نسمع الموسيقى ..نغني ..نرقص
كنّا ..وكنّا
ياألله.. ما أضعفك يا إنسان ؟؟!!
وكم علينا ان نشكر المرض أيضا لندرك أهمية ما نحن عليه من سلام وسلامة وصحة وعافية
لابد من مرض ما حتى ندرك ما معنى أن ننام قريري العين ..
لابد من مرض ما حتى ندرك ما معنى أن نشرب ونستطعم بما نشرب نشرب الماء ونشعر بعذوبته
لابد من مرض ما حتى نشعر ما معنى أن نأكل بشهية ونهم
لابد من مرض ما حتى نشعر ما معناه أن لاشيء يقلقك ويخيفك إلى درجة الرعب ويشغل لحظات يومياتك
لابد من مرض ما حتى نذوق الطعم الحقيقي للمأكولات والفواكه
لابد ولا بد ولابد حتى نشعر وندرك ونعي و..و..الخ
حتى يصلك نبض من تحب على حقيقته وقلق من تحب على حقيقته وسؤال من تحب بكامل دهشته
لابد ولا بد حتى نشعر بقبح طعم المرارات التي لم تفارق فمنا طيلة فترة المرض .. بنقاء وصفاء الهواء الذي حولك
ورغم كل هذا وذاك كم علينا أن ندرك أننا أغنياء بما كرمنا الله عز وجل به من صحة وعافية وبهاء ..
وما هذا المرض البسيط البسيط إلا إشارات إلهية لطيفة ندية تشعرنا بأننا مازلنا بألف ألف خير وان ثمة أمراض وأمراض قاتلة مميتة أقعدت أخوة لنا وأخوات طويلا طويلا وفعلت فعلتها بهم وبزويهم ..
حمّة بسيطة ألمّت بنا رفعت قليلا قليلا من حرارة جسدنا ..أقعدتنا لأيام وفعلت بنا ما فعلته فكيف أخوتنا الذين أصيبوا بالكورونا وبتلك الأمراض السرطانية وغيرها عافى الله الجميع ..
من فضائل المرض انه يمسكنا ما إصبعنا ويقودنا كطفل ويمضي بنا يعيدنا إلى الدائرة الأولى ليقول لنا بصوت خافت حنون : يالصغفك يا إنسان
فيزيدنا نقاوة وإيمانا ومحبة لله وللناس وللحياة ..
يزيدنا قدرة على قراءة من حولنا بمفردات أكثر حميمية ومحبة وحنين.

 

عباس حيروقة