بكائيات للريح وللغمام

ما الذي يمكن أن تقوله غمامات السماء وهي تنظر من علٍ إلى تلك النيران التي هبّت وشبّت دون هوادة أو رحمة في غابات مصياف التي نمت وترعرعت وكبرت تحت أنظارها وسقتها من رحيق روحها لألف ألف عام من رعد ومن برق ومن زغردات فاخضوضرت وراحت تنشد على مسمع الفصول قصائد الجمال والكمال والجلال ؟؟!!
وما الذي انتاب الضوء وهو يجهجه حين سمع قهقات النيران وعربدتها المدججة بالفحيح وبالهسيس ؟؟!! أخال أن هاله أكثر ما هاله تلك القبائل ..قبائل الطيور وهي ترتّل قداديس الماء وترشها بخشوع كهّان المعابد فوق أعشاشها .. ارتعش حين سمع صرخات استغاثات الفراخ وبكى طويلا طويلا حين رأى ما رأى من موات كائنات خانتها أطرافها وخذلها الوقت..
الضوء أعلن الحداد ونكس رياته عن مداخل قلاع ما تبقى من ممالكه ال من صباح.
وما الذي يمكن أن يبوح به النسيم اللطيف اللطيف الذي تدرّب على الغناء فوق تلال مصياف وبين وديانها ال من ماء حنون وتراتيل ظلال فأنشد أولى مواويله أعشاباً ندية طرية وأطلق مساكب حبق قرانا أسراب دموع ؟؟!!
النار .. يا مصياف
ألا تخجل النار من تاريخها وهي تمتد وتمتد تجاه كل هذا الجمال ..الدلال ..الكمال ؟؟
القلوب التي لم تهدّها سنوات الحرب الطوال العجاف ولم تهدّها نيران ارتفاع الأسعار وجنونها وشظف العيش وأسئلة الحياة الكبرى ..ها هي النيران وعلى مرأى العالم تأكل آخر ما قد يمد أرواحنا وأيامنا ببعض ندى يوم قادم أجمل ..
تأكل ما تبقى لنا من اخضرار الحياة ..نعم ترمدت آمالنا ..أحلامنا وترمّد معرض الوجود الرباني ببهاء لوحاته ..
والسماء بكل مفرداتها دهشت وصعقت حين رات تلك اللوحة العبيثية التي رسمها انسان هذا العصر ..لوحة السواد البهيم ..
ما الذي يمكن أن يقوله قمر مصياف الذي كان يتأمل امتدادات روحه على أرائك غاباتها وسندس بساتينها فيستمد من يناعة اخضرارها قصصا ليتركها كل صباح على نوافذ العاشقين
ما لذي يمكن أن يقوله وهو يرى كل هذا الدخان الأسود المدفوع بلهب من جنون ومجون تجاهه فيحجب صورته عمن يحب ؟؟!!
ما الذي ..وما الذي يمكن ان يقوله وتقوله مفردات السلام والبهاء والجلال للإنسان الذي أفسد وخرّب ودمّر وشتت وقبّح كل هذا الجمال الالهي؟؟ّ!!
ما لذي يمكن أن تقوله الطيور التي ترمد قلبها مع ترمد اعشاشها الطافحة بالفراخ وبالذكريات ؟؟
ما لذي يمكن أن يقوله النهر الذي حفظ كل أسماء الشجر ..أغصانها ..وكل أسماء الطيور ..الكائنات وهو يرى كل هذا الموت يخيّم حولنا ؟؟
ما الذي يمكن أن يقوله اللهب العربيد وهو يرى أطفال ونساء ورجال وشيوخ مصياف وقراها وهم يواجهون كل هذي النار بوجوههم وبراحاتهم وبرموش عيونهم ..بالدموع ؟؟!!
أخيرا ما الذي يمكن أن يقوله الله جلّ جلاله وعظم شانه لأولئك الذين أشعلوا تلك النيران ونفخوا في كورها من أجل إرضاء نزواتهم الرخيصة الخسيسة المشوهة المسخة
..إنهم أبناء النار ..؟؟
وما الذي يمكن أن نقوله ونحن نرى ما نرى ..نشد اكفّنا..نكزّ على اسناننا ..ونطلق ارواحنا زقرات قهر وحزن وغضب ؟؟!!

عباس حيروقة