ما كان منقصة وشذوذا أصبح ..

ما يمكن أن أتحدّث به أو عنه في مادتي هذه قد يبدو غريبا بالنسبة لبعض أبنائنا الشباب وربما غير مستحسن ومستحب ولكن من المؤكد أن يتفهمه أبناء جيلي أو من يكبرنا أيضاً ..

لن أعود كثيراً إلى الوراء ولكن سأذكّر بما عشت أو عايشته في نهاية ثمانينيات القرن المنصرم حين أتيح لنا مشاهدة بعض الأفلام الأجنبية التي كانت تعرضها القناة الثانية في التلفزيون السوري في سهرة كل يوم الاثنين وبعد ذلك على شاشات السينما في مدينة حلب في مطلع التسعسنيات ..
جميع أبناء جيلي يتذكر تلك الأفلام بشخصياتها المثيرة للجدل والانتباه كغيرها ..
شخصيات بقصات شعر كنا نراها آنذاك مريبة وغريبة ..قصات شعر برسومات حيوانية حينا وأشكال هندسية وزخرفات فنية ما
ومما يلفت انتباهنا في تلك الأفلام أن شخصيات العمل البارزة كانت تعمل على نقش رسومات ( وشم ) على بعض أعضاء جسدها (زند – زراع – كتف -) وأحيانا على الفخذ والظهر ..ومما كان يدهشنا ويخيفنا ذاك الوشم على الرقبة ..
نقوشات ووشم برسومات متقنة فنيا أشبه بلوحة وأحيانا مرعبة تأتي على هيئة جماجم وسيوف ..
إضافة لارتداء ألبسة مخيفة سوداء تمنح الشخصية هيئة مرعبة على شكل كائن غريب ..
وبعض الألبسة ممزقة بشكل مقصود وفي غير موضع من الجسم لا سيما عند الركبتين وفي المؤخرة ..
أفلام أجنبية بموسيقى صاخبة ورقصات وحركات أشبه ما تكون لكائنات من غير كوكب ..موسيقى تضرب على الرأس كضرب طبل حروب البسوس وأشد صخبا
أفلام بآليات حديثة وغريبة جداااا (سيارات – درجات نارية)
كل هذا وأكثر وأكثر كنا نراه ونتابعه باستغراب واستهجان ونفور ونعتبر ذلك من عوالم تلك البلدان الأجنبية الغامضة البعيدة جدااا
ولكن ما الذي حدث خلال عقدين من الزمن ونيف ..؟؟!!!
كل هذا وذاك أصبحنا نراه أول ما نراه في عواصم بلداننا ومن ثم في مدننا الكبرى لينتقل بعدها إلى بلداتنا وقرانا ..لا بل نجد كل هذا وذاك في كل بيت ..و وراء كل باب ..
ننظر في شوارع مدننا ونرى ما نراه من أناس وكأنهم أبناء تلك البلدان ..وكأنهم شخصيات تلك الأفلام الأجنبية ..
لننظر إلى رؤوس بعض شبابنا ..في مدارسهم الثانوية والجامعية ..ننظر على تلك القصات – قصات الشعر – وتعلقهم الشديد وإصرارهم على أن يخرجوا بهذه الحلة الجديدة التي يفاخرون بها ..
ننظر فنرى الكثير من أجيال اليوم وكأنهم من سلالة تلك الأفلام في تلك البلدان ..
الكثير من الشباب والشابات بقصات شعر مريبة ..بلباس غريب وبوشم طال معظم أجسادهم –
أجسادهن ..
الكثير من الشباب والشابات يرتادون مقاهي وملاهي بموسيقاها الصاخبة المجنونة وبكلمات أغاني أجنبية وإن كانت عربية فبلغة مكسرة هشة
الكثير من الشباب والشابات خرجوا - خرجن مما كانوا وكنّ عليه من حياة هادئة رزينة وبيئات اجتماعية أصيلة راقية ..
شباب وشابات كثر انسلخن بطريقة مدهشة من ماضي يطفح بالانتماء للقيم وللجمال وللمحبة
ننظر في شوارعنا فنرى ما كنا نراه في تلك الأفلام ذات السيارات المليئة بشبان يتعتعهم السكر ويطيح بعقولهم المخدرات والحشيشة ..ويشاهرون برفع الأسلحة في وجوه المارة لا بل ويطلقون النار هنا وهناك عن لم نقل أنهم يمارسون فعل الخطف والسبي والسرقة وطلب الفدية ..الخ من أعمال إجرامية لم تكن يوما من مفردات مجتمعنا وغن كانت فهي بقلة شديدة نادرة
والأسئلة الأهم التي يمكن أن تبسط أمامنا وبخط عريض :
من عمل على تسريب وتهريب ثقافات كهذه إلى مجتمعاتنا ؟؟!!
وهل نحن من الهشاشة حتى نعجز عن الصمود في مواجهة تلك الصرعات والسلوكيات غير اللائقة والغريبة عنا وعن مجتمعنا ؟؟
ما دورنا نحن كمثقفين وكإعلاميين وكأحزاب يسارية تقدمية وطنية في تحصين أجيالنا من الانجراف تجاه ثقافات وافدة غريبة نحونا ؟؟!!
عجزنا عن تشكيل سد منيع قوامه الانتماء للقيم وللجمال وللحرية وللقانون وللسلام وللمحبة ساهم في تلك الخروقات ..
وهذه الخروقات هي إشارة كبيرة لخروقات أشد خطرا واتضحت نتائجها أكثر ما اتضحت في تلك الحرب القذرة التي شنت على أبهى وأرقى المفردات السورية الحضارية ..
كم علينا العمل على تأسيس منظومة قيم حضارية تأخذ في حسبانها كل ما حصل لنا عبر العقود الماضية علنا ننجح في تحصين أنفسنا وأجيالنا من خيبات جديدة وانكسارات خطيرة قد لا نقوى على تحمل عقباها مرة أخرى .

عباس حيروقة