على ضفاف العاصي : هذا الفن العظيم

الشعر فن عظيم إن لم يكن أعظم الفنون على الإطلاق, والشاعر الحقيقي هو مبدع لايجود به الزمان كل حين، ومن معاني الشعر: العلم, ومن معاني الشاعر: العالِم , وقد كان للشاعر منزلة رفيعة عند الأمم قديماً وحديثاً, وحين كان يظهر عند العرب شاعر في قبيلة كانت تقيم الولائم والأفراح أياماً عديدة, وتكون تلك القبيلة محسودة من القبائل الأخرى، وأما اليونانيون فقد جعلوا الشاعر بمرتبة القديسين، وكم حرب أشعلها بيت شعر , أو أطفأها بيت آخر, وحين سُئِل ( تشرشل) رئيس وزراء بريطانيا أيام الحرب العالمية الثانية بين أن يخسر الهند أو أديبهم وشاعرهم الأكبر (شكسبير) أجاب دون تردد: أخسر الهند ليبقى شكسبير.
ونقرأ في تراثنا العربي مايدل على صعوبة فن الشعر كقول الفرزدق: ( قلع ضرس من أضراسي أهون عليَّ من نظم بيت من الشعر).
وقول الحطيئة:
الشعر صعب وطويل سُلَّمُهْ إذا ارتقى فيه الذي لايعلَمُهْ
زَلَّتْ به نحو الحضيض قدمُهْ يريدُ أن يُعْرِبَه فيُعْجِمُهْ
كما نقرأ تمييزهم بين الشاعر وغير الشاعر كقول الجاحظ: ( الشعراء ثلاثة: شاعر وشُوَيْعِرٌ وشُعرور)، وصنفهم آخر بقوله: ( الشعراء ثلاثة : شاعر يجري ولايُجْرى معه, وشاعر تراه وسط المعمعة, وشاعر تريد أن تصفعه).
لقد قدَّمْتُ بهذا الكلام لأبيّن عظمة فن الشعر, وصعوبته في الوقت نفسه, وذلك لكي يُعِدَّ الذين يريدون أن يكونوا شعراء أنفسهم الإعداد الكافي قبل أن يكتبوا أو ينشروا أو يصعدوا المنابر ليُسْمِعوا الآخرين أشعارهم, فالشعر علم، وموهبة,وصنعة, وثقافة , ولايمكن لنا أن نصنع شاعراً في دورة, كما نقرأ أحياناً في الإعلام، فالدورة قد تصنع مهنياً أو حرفياً, ولكنها لايمكن البتة أن تصنع شاعراً, لأن الشعر صناعة يحتاج إتقانها زمناً طويلاً, وما تنشره الصفحات الثقافية في الصحف عندنا كثير منه لايرقى إلى مستوى الخاطرة, فكيف نسميه شعراً؟!!
إن العلاقات الشخصية, والمجاملات, تلقي بظلالها على مثل تلك الألوان لتجد طريقها للنشر في الصفحة الثقافية, لأن مُعِدَّ تلك الصفحة له مصلحة يستفيدها من أصحابها, وهذا نوع من الفساد الذي ينبغي النص عليه وتعريته, ومن الظلم أن نسمي تلك المنشورات شعراً، أو نسمي صاحبها شاعراً, فالشعر الحقيقي له قداسته, وهؤلاء الذين يكتبون مايسمونه شعراً، الأفضل لهم أن يعزفوا عن ذلك, ويستثمروا أوقاتهم في ماينفع ويفيد.
والشعراء المبدعون الحقيقيون الكبار قليلون قديماً وحديثاً، وأراهم أشبه بقمم الجبال ـ هي قليلة ولكن تراها العيون كلها ـ وأما الآخرون فهم أشبه بالسهول التي لاتلتفت إليها عين من العيون, وما أجمل قول القائل: إذا أردت أن تكون شيئاً فكن شاعراً, وإن أردتَ أن تكون طائراً فكن نسراً، وإن أردتَ أن تكون حَجَراً فكن حَجَر ماس.

د . موفق السراج

د . موفق السراج