الهمُّ العَذْبُ

طموحٌ لديَّ أن أكتبَ على بياضِ الورق، حيثُ تصبحُ للروح أجنحةٌ تحلّقُ في فضاء العذوبةِ ،و في رحاب الآخرين ، وهي استراحةٌ على مرفأ الحلم حيث أقدمُ وردةً لقلوبٍ بيضاء كالثلج تجمعُها محبةُ البلد أرضه وسمائه.
لكنَّ الكتابةَ همٌّ ومسؤوليةٌ ..أنْ تتركَ نفسك في مهبِّ القرّاء، واحدٌ يقرؤكَ فيقول : مقالةٌ رصينةٌ ،والآخر يقول :تافهةٌ ،وهكذا تترنحُ كلماتُك في رأي الآخرين بين ساخطٍ وراضٍ.
وللكلماتِ وجوهٌ مشرقةٌ وضاحكةٌ ،أو غامقةٌ وقاتمةٌ .
هل أكتبُ عن قضايا الأمةِ سوريةَ وفلسطين والعراق والصومال والسودان التي تتوزعُ على جغرافيةِ الروح حزناً وألماً؟!
أم أكتبُ عن همومِ البلد ...كالكهرباءِ والغاز والغلاءِ والغشِّ واللصوصِ وقلةِ الدين والوجدانِ؟!
أم أدَع ذلك جانباً لأكتبَ عن القلب ،شؤونه وشجونه، وآتي بقبسٍ من محبتي لترابِ الوطن ولمعاطيره التي تتنزّل عليّ كالغمام بالشعر والعطر والسحر؟!
الكتابةُ مسؤوليةٌ، فكثيراً ما أشعرُ بالجبن أمامَ بياض الورقِ ،وأحارُ وأنا أرتّلُ إحساسَ القلب بأوجاع الوطن ،من أين أبدأ ،وكيف أنتهي ،وعثرةُ القدم أهون من عثرةِ اللسان،فالأفكار كالعصافير تهربُ منِّي كلّما حاولتُ القبضَ عليها .
هل أكتبُ عن الشعر، هذا الهمّ الذي يقتاتُ من عمري ،والذي أتوسَّلُ إليه بابتكار الصورِ والمعاني الجديدةِ التي لها طعمٌ ولونٌ ورائحةٌ؟!
كم أخشى الغرقَ في نهر الاستهلاكِ اللفظيِّ، والركامِ والنفاق الذي لا طائلَ منه، والذي لا يخلو من فجاجةٍ ومرارةٍ .
قبل وقت كان الكاتب يتهيَّبُ الكتابةَ إلى جريدةٍ أو مجلةٍ أو مطبعةٍ .
كانَ للكتابة هيبةٌ، والألقاب كانت على قدر حامليها ،فلا ينالها إلا مبدعٌ مرتبطٌ بوجدان الناس ووعيِهم، يخطفُ القصيدةَ والفكرةَ من أفواههم، وكان للكاتب مشروعٌ ثقافيٌّ قوميٌّ ينطلق من جذورِ هذه الأمة العريقةِ .
وكان الكُتَّاب قلة، والكتابات عاليةَ المستوى والجودة، فالكتابة عندي حالةٌ إنسانيةٌ أغسل أناملي بالصباح وأتأنقُ في تنسيق حروفها ومعانيها ، آملاً أن يطيبَ للقارىء عبيرُها ، إنها شرفةٌ تطلُّ منها الروح على ربيع القلوبِ، وهي بابٌ للخروج من العزلةِ والاغتراب، تفيضُ بها النفس رافضةً الصمتَ والسكوت ،وفيها نزوعٌ إلى إرضاء الوجدانِ.
فالكتابة مسؤوليةٌ ،وقضيةٌ ،وجسرٌ للتواصل بين الكاتب والآخرين، وهي المرفأ الأخير للهروبِ من حصار العصر، وهي هذا الهمُّ العذبُ الجميل .

 حسان عربش