على ضفاف العاصي : في رحاب ذكرى الكرامة

في حياة الأمم والشعوب مواقف مشرقة ومحطات مشرفة يسطرها التاريخ بأحرف من نور, وحين تحضر ذكراها تنبعث في النفوس مشاعر الفخر والعزة والكرامة.
وليس التاريخ وحده الذي سجل ودون بل الشعر أيضاً حتى قال فيه بعضهم (الشعر ديوان العرب) لأنه تاريخ صادق، وسجل حافل لما مر على الأمة من أحداث, وقد نجد في الشعر العربي ماغفلت عنه كتب المؤرخين في بعض الأحيان وإذ تمر بنا هذه الأيام ذكرى اندحار المستعمر الفرنسي وجلائه عن وطننا العظيم لابد أن ترفع القبعة عالياً لأولئك الشهداء الذين رووا بدمائهم تراب هذا الوطن حتى تحقق النصر, وكان الجلاء الذي غمر نفوسنا بالفرح والابتهاج وتعود بي الذاكرة إلى عهد الطفولة لأتذكر بيتين حفظتهما من لوحة كُتبت فوق باب مدرستي الابتدائية (الجلاء) والبيتان من قصيدة رائعة خلد فيها شاعر العاصي بدر الدين الحامد هذا الحدث العظيم وهما :
يوم الجلاء هو الدنيا وزهوتها لنا ابتهاج وللباغين ارغام
ياراقداً في روابي ميسلون افقْ جلت فرنسا فما في الدار هضام
والراقد في روابي ميسلون هو البطل ( يوسف العظمة) الذي رفض عام 1920 الانصياع لأوامر الجنرال ( غورو) القادم غازياً من لبنان وهذه الأوامر هي تسريح الجيش السوري وحل الحكومة والبولمان, وإلغاء الدستور, وكذلك العملة السورية وكان رده سريعاً فجمع جيشه تحت قيادته , وقرر مواجهة الغزاة, وهو يدرك أنه ميت لامحالة , وقال قولته التاريخية / اعلم أن المعركة غير متكافئة مع الغزاة, لا في الرجال , أو السلاح, أو العتاد, غير أنني وإخواني, قررنا أن نسجل للتاريخ رفضنا أن يدخل المستعمرين سورية إلا على أجساد الشهداء من ابنائها الأبطال.
وكان له ما أراد إذ لم يقدم وطنه للغزاة لقمة سائغة، بل ناراً تحرق بلظاها كل معتدٍ أثيم لم يعرف في هذا الكون إلا لغة الإرهاب والهيمنة والعدوان ولم يدع الغزاة يدخلون وطنه إلا على جثث الشهداء الميامين الذين يستحقون منا منتهى الإجلال
فلتنحن الهام إجلالاً وتكرمة لكل حرعن الأوطان مات فدا
ياله من درس عظيم في التضحية والفداء قدمه البطل يوسف العظمة وأبطال كثيرون بعده ضحوا بحياتهم في سبيل الدفاع عن الوطن ولايزال الأبطال حتى اللحظة وإلى الأبد يضحون بحياتهم ضد كل أشكال العدوان على سورية الحبيبة وأمنها وسلامتها ولابد من أن يتحقق النصر بدحر المعتدين على أيدي المناضلين الشرفاء من أبناء هذا الوطن العظيم .

د . موفق السراج