على ضفاف العاصي : أطباء .. وفنانون !!.

يبقى أطباء الأسنان هم الشريحة العلمية الأكثر قرباً من الهوايات والمواهب ، على اعتبار أن مهنتهم تعتمد في دراستها وممارستها على العقلية العلمية والذائقة الفنية في آن واحد ، فلا هذا يغني عن ذاك ، ولا هذه تحل مكان تلك ، ولاعجب أبداً أن نجد أعداداً كبيرة من أطباء الأسنان في مصاف كبار الأدباء والفنانين والمبدعين ، ليس على مستوى سورية فقط ، بل على مستوى وطننا العربي الكبير ، الممتد من المحيط إلى الخليج ..
أقيم معرضهم ، في مكتبة الكلية الخاصة بهم ، وكان لابد من تلبية الدعوة الكريمة ، التي وجهت إلي من قبل بناتي وأبنائي الفنانين ، الذين كان لهم شرف المشاركة في هذا المعرض الجامعي المتميز ، وأقول : بناتي وأبنائي .. لأن معظمهم طلابي في كلية طب الأسنان ، فقد سبق أن احتككت بهم ، وتواصلت معهم ، وأشرفت على ثمرات جهودهم في جلساتهم العملية ، كل ذلك كان في بيئة أسرية متفاهمة ، وضمن جو أبوي وتعامل أخوي ....
الحقيقة .. الكثير من اللوحات المعروضة أعجبتني ، بل أقول : أبهرتني ، لأن القلم الذي رسمها ، والريشة التي لونتها ، والحس الفني الذي ابتكرها ، لم يكونوا مرتبطين بهواة صغار مازالوا في أول الطريق ، بل كانوا وثيقي الارتباط بمحترفين كبار لهم تجربتهم الغنية وممارستهم القديمة ...
نحن نعلم أن توجه طلابنا الجامعي ، منصرف في الأصل إلى تتبع ( الفم ) ومشكلاته ، ومقيد بدراسة ( الطب ) وملحقاته ، إلا أن الذائقة الفنية لهؤلاء المشاركين الذين نتحدث عنهم ، هي التي كانت غالبة في لوحاتهم ، ومسيطرة على رسومهم ، أجل .. تناسق في الألوان ، انسياب في الخطوط ، مهارة في الزخرفة ، دقة في القسمات والتعابير .. أضف إلى هذا وذاك ، أنها تحمل سمة الرمزية ، وتحتضن صفة الشمولية التي تصور كل صغيرة وكبيرة ، وتوحي بأشياء قد تفسر وقد لاتفسر …
أجل .. لم تكن الرسوم ترجمة حرفية لطبيعة جامدة ، ولم تكن نقلاً روتينياً لحالة واقعية عابرة ، لم تكن منظراً كلاسيكياً لنهر جار ، أو بحر هادر ، أو جبل شامخ ، أو شجرة باسقة ، كان فنانونا يريدون أن يقولوا شيئاً ما يخفونه في أعماقهم ، يريدون أن يعبروا بطريقة ما عما يجيش في صدورهم ، يريدون أن يقدموا للآخرين أفكارهم وآراءهم وتطلعاتهم ، وهم في سبيل ذلك لم يعتمدوا على الرسم بالكلمات ، كما فعل الشاعر نزار قباني ، بل اعتمدوا على الرسم بالخطوط والرموز والألوان ، فاستطاعوا بذلك أن يوضحوا للمشاهدين مدى تفاعلهم وانفعالهم ، واستطاعوا بذلك أن ينقلوا وجهات نظرهم ، من حيز خيالي مستور ، إلى حيز واقعي ملموس ..
والفن لم يسرق العلم ، فعلى الرغم من هذا كله ، فإن عقليتهم العلمية لم يخفوها ، وإن دراستهم الجامعية بقيت نصب أعينهم ، ولم يتخلوا عنها أبداً ، فما تلقّوه عبر محاضراتهم النظرية وجلساتهم العملية ، كان له الحظ الوافر عبر مارسموه وأبدعوه ، فكم من مشهد يتعلق بالفم أو الأسنان أو الوجه عموماً ، كان سيد الموقف في لوحات علمية وفنية مشتركة ، فالعلم والفن يأتيان معاً عبر منظر تشريحي معدل فنياً ، يأتيان في إطار واحد ، له دلالة واحدة ، يأتيان منسجمين مع الفكرة التي يراد بها التعبير عما يختزنه الطبيب من هموم ومعاناة إزاء مهنته ومرضاه ..
وبعد .. فهؤلاء هم أطباء الأسنان الحقيقيون ، لأن الفن يجري في شرايينهم وأوردتهم ، كما يجري العلم في تلافيف أدمغتهم ، وهذا يؤكد ماذكرناه في بداية حديثنا ..

د . موفق أبو طوق