على ضفاف العاصي : يسألونك عن ( الخمسين ) !!..

لم تُظلم فئة نقدية في أسواقنا المحلية ، كما ظُلمت فئة الخمسين ليرة ، ولم تتعرض فئة إلى البؤس والشقاء ، كما تعرضت إليها تلك الفئة المسكينة آنفة الذكر ..
فقد نالها التشوه ، وأصابها التلف ، ولحق بردائها التمزق وكثرة الرقع واللصاقات ..
وزاد الطين بلة ، أنها بقيمتها المالية الحالية، أصبحت أكثر عرضة لعمليات البيع والشراء في التجارات الدونية السائدة ، والتعاملات البسيطة المتواضعة ، وأكثر استخداما كذلك في وسائط النقل الداخلي ، التي لابد منها للوصول إلى الضواحي البعيدة ، والمناطق المتطرفة من المدينة ..
إذا ابتعت شيئا فـ ( الخمسون ) ضرورية ، وإذا صرفت شيئا ف ( الخمسون ) ضرورية ، وإذا استرددت شيئا فمن المؤكد أن ( الخمسين ) ضرورية أيضاً !!.
أجل .. أصبحت ( الخمسون ) عملة مفصلية في مجالات عديدة ، عملة مفصلية لاغنى عنها في كل حال ، عملة كثيرة الحركة ، كثيرة السفر ، كثيرة السياحة ، عملة سريعة التنقل من مكان إلى مكان ومن يد إلى يد ... فهي لاتكاد تستقر في جيب ، حتى تخرج لتجلس في كف ، ولا تكاد تجلس في كف ، حتى تقفز لترتاح في كف أخرى ، ولاتكاد يطيب لها المقام في سوق تجارية ، حتى يأتي من ينقلها إلى سوق أخرى ، ولاتكاد تشعر بالطمأنينة في سيارة ما ، حتى يتم تحويلها إلى مركبة ثانية .. وهكذا دواليك !!!.
والمشكلة في الموضوع ، أنها كلما ازداد تنقلها ، ازداد في المقابل تلفها ، وكلما تضاعف تداولها ، تضاعف في المقابل تمزقها ، حتى باتت في أغلب أحوالها .. ورقة بالية ، مهلهلة ، مشرشرة ، لا لون لها ، لا شكل لها ، لا .. طعم لها ، إن كان لها في الأصل طعم !!.
وبعد أن كثر الحديث عنها ، وازداد اللغط حول أحوالها ، رقت قلوب من هم مكلفون بمتابعة أمورها ، فسعوا إلى إيجاد البديل ، وتنفس الناس الصعداء حين وجدوا بين أيديهم فجأة، عملة معدنية جديدة من فئة الخمسين ليرة ، فانصرفوا إليها فرحين ، وتعاملوا معها وهم في قمة السرور والسعادة ، وتصوروا أنهم قد تخلصوا نهائياً من تلك الخمسين التالفة والمشوهة والممزقة ..
ولكنها فرحة ماتمت ، إذ سرعان مااختفت تلك العملة المعدنية من الأسواق ، ولم تعد موجودة في متناول اليد ، بمعنى آخر : ( فص ملح وذاب ) ، على الرغم من أنه لم تمض إلا أيام قليلة على تداولها في الأسواق!!.

د. موفق أبو طوق