العرس التراثي في الذاكرة

تسحبنا الذاكرة للحظات حلوة كانت في الماضي، نابعة من عادات و تقاليد تآلف عليها المجتمع آنذاك، لما كان لها بالغ الأثر في زيادة متانة الروابط الإنسانية بين المكونات الديموغرافية كافة، منها حفلات الزواج وما تضمه من خطوات للوصول للعرس الشعبي الجميل، المتعارف مسبقاً على خطواته وفعالياته، فكانت الرحلة تبدأ بالجاهة التي تقصد بيت العروس، ثم القبول، والتحضير لحفلة الخطوبة، هنا نلمس من المشاهدات والقراءات، التزام كل خطوة بأغانٍ تراثية خاصة بها، لتأتي بعدها التحضيرات للعرس، الذي لا يعد حفلا خاصا بالعائلتين، لكنه طقس اجتماعي يجتذب الناس من القرى المجاورة والمناطق الأبعد، فتبدأ النسوة (بالعزائم) من خلال طرق الأبواب و الدعوة للحضور وفيها إخبار عن العروس والعريس والمكان والزمان، فكانت الدعوات بالتواصل الشخصي، احتراما للمعازيم، في نفس الوقت تتم التجهيزات للحفل، من اختيار المكان، وتنظيفه، و تزيينه بالإضاءة و ترتيب الكراسي، حيث أغلبها يكون في مكان من البيت، لأن البيوت حينها واسعة ، ذات مساحات كبيرة، في الوقت نفسه، يقدم الجيران مكونات الطعام الخاص بالعرس، حيث يجب طهو كميات ضخمة و دسمة، ليشارك الجميع (بلقمة ) الفرح، فحالة الطهو في حد ذاتها تجمع تكافلاً اجتماعياً حقيقياً لا بد منه، أما في بيت العروس تتم التجهيزات التجميلية لها، مع مشاركة صديقاتها المقربات، وتخرج من بيت أهلها تمسك بيد أبيها أو من يمثله، مترافقة مع أغان خاصة لهذه الخطوة، فإن أقبلت على بيت العريس، تزداد الحماسة والهتافات وترتفع الأغاني، بالإضافة للزغاريد و الهناهين، وتبدأ الحفلة التي يمكن أن تستمر لأيام سبعة، ثلاثة قبل الدخلة، و ثلاثة بعدها، أو يمكن أن يكون العرس ثلاثة أيام، ذلك تابع للعرف والتقليد في المنطقة، وأثناء الاحتفال تقام الدبكات في حلقة دائرية كبيرة، ويتميز البعض من الرجال والنساء بمهارة الدبكة التي تتم بحرفية واجبة و متعارف عليها، على طربات الطبل ونغمات الناي والمجوز، هكذا تلمس الفرح الحقيقي في عيون كل المشاركين، حيث يعد الحفل للجميع، ويمكن أن يحضر من لم يدع له، للمشاركة بالفرح العام، لذلك كان طقساً للمصالحات الاجتماعية و فض النزاعات، وكان فرصة لتعارف جديد بين الجيل الطالع في حينها، لكن كانت كل الخطوات تتم باحترام كامل وثقة حاضرة، بالطبع لكل منطقة اجتهادات في حفلات العرس، لكنها تتمحور حول المتعارف عليه أصلاً في هذه الحالات الاجتماعية ، لتبقى الدبكة مميزة بين منطقة وأخرى، وتبقى صور العرس الشعبي صوراً جميلة في الذاكرة، تداعبها رائحة التراب النقي، واللمات الحلوة حول لقمة الفرح، والتعاضد بكل مفردات الاحتفال، آملين الحفاظ على ما بقي لنا من حب لأنه أساس العمران النفسي والاجتماعي لمستقبل ألطف.
شريف اليازجي