زمن الأجداد وروعة الماضي

بقول الجميع إن الزمن القديم الذي عاشه أجدادنا قبلنا زمن جميل ودافئ مليء بالمحبة الصادقة والتعاون بدون مقابل رغم عدم توفر سبل العيش الكافية مثل الكهرباء أو البيوت الحديثة وآليات النقل وغيرها..
ورغم ذلك كان هناك خير وفير وكانت الأبواب الكبيرة مشرعة على مصراعيها نهاراً لاستقبال الضيوف .. كان الجيران يطعمون بعضهم من زادها ويزورن بعضهم كل ليلة مسائية لتبدأ سوالفهم الجميلة والفكاهية والحكايات الشيقة والجذابة، فكانت تلك الأمسيات منفساً للسعادة ولقرب القلوب وتآلف الناس مع بعضهم..حول مدفأة الحطب ..
فكانت غرفة جدتي الطينية في قرية بللين المرتفعة والمقابلة لجبال مصياف الساحرة، تحوي على أمور غريبة جداً، فلم تكن غرفة فقط لنومها، أو لاستقبال ضيوفها وصديقاتها، بل كانت تقسمها قنطرة قوية لتضع في القسم الداخلي من الغرفة عنبراً من الحبوب المختلفة كالحنطة والذرة والبرغل، والعنبر يشبه صندوقاً كبيراً مقسماً لأقسام من الداخل وله فتحات كأبواب صغيرة من أسفل كل قسم..
ورف من الجبصين مقسم إلى مربعات كانت تضع في كل قسم شيئاً من الحاجيات كالمقص أو المشط والبابور والكاز وغيرها من الحاجيات المضحكة في تواجدها معا على ذاك الرف..
كما توجد جرتين من الفخار إحداهما للماء والأخرى لوضع السمن العربي، وفي زاوية الغرفة تتربع دجاجة بياضة تدفئ بيوضها لموعد التفقيس، وهناك أيضاً تنكة من القش والتبن تخبئ داخلها البيض لحين الأكل، وكم استغربت مرةً عندما كنت أبحث بفرح عن البيض في القش لأنبش قرصاً من البندورة المحمرة الشهية لأدرك بعدها أن وضع البندورة الخضراء في القش وتدفئتها يجعلها تتلون للأحمر..
وماأروع رائحة الحطب في ذاك الموقد الطيني يعتليه إبريق المتة الساخن ورغيفاً من الكماج الطازج...
وضوء سراج الكاز يملأ المكان دفئاً وحناناً
تقول أم أسعد في دارها الذي بدا نصفه محدثاً ولازال نصفه الآخر يعانق الماضي ببنائه الترابي وبيوت الحمام في أعشاشها، وترنح الدجاجات حولها في فسحة دارها، تقول:
للماضي حب وحنين لن ننساه فكنا نحيك اللحف ونجلب الماء من النبع ونصنع من مشتقات الحليب اللبن والجبن والقريشة والكشك والشنكليش وغيرها، فكانت أرزاقنا تعيلنا في حياتنا.
وتكمل عن سبب وفرة الخير في زمنهم بأن السبب يكمن في تبدل نمط الحياة فقد كثر الناس وازداد العمار وقلت المواشي والمراعي
واتخذ البعض حرفاً أخرى ليبيعوا أغنامهم وأبقارهم فلم يعد هناك مساحات واسعة كالسابق وقل المزارعون واتجه الغالبية للوظائف الحكومية..
كما لعب تغيير الحالة الجوية وقلة المطر إلى قلّة الخير وقلة أنواع النباتات.
جنين الديوب