سـِتّ الْحـَبـَا يــِب !.

منذ أربعين عاماً أو يزيد ، كنت طالباً في المرحلة الثانوية ، وكان عليّ أن أقطع مسافة لا بأس بها ، قبل الوصول إلى مدرستي الكائنة في حيّ من الأحياء البعيدة ، وفي ذات صباح .. كنت على عجلة من أمري ، أريد أن ألحق الحِصّة الأولى ، قبل أن يغلق الآذن أبواب المدرسة ( كعادته دوماً بُعَيْدَ الساعة الثامنة بقليل) ... وفجأة ، اعترض طريقي طفل صغير ، عمره حوالى العاشرة ، يرتدي بزّة مدرسية ، ويتأبّط محفظة جلدية أنيقة ، وعلى وجهه ملامح فطنة وذكاء ..
بادرني بقوله : مرحباً ، أريد أن أطرح عليك سؤالاً ، فهل تسمح ؟..
اضطررت إلى الوقوف ، سألته بدوري : وما هو سؤالك ؟!.
أجابني : غداً عيد الأم .. ما هي الهديّة التي تنوي تقديمها إلى أمك ؟
واستغربت أمر هذا الطفل الغريب ، الذي لم أره من قبل ، واستغربت أمر سؤاله الذي يغوص في أعماق ( خصوصيتي) .. قلت له :
- وماذا يفيدك جوابي ؟!! .
قال : حتى الآن ، لم أهْتَدِ إلى هدية ملائمة ، أقدمها لأمي ، فعسى أن أستفيد من سؤالي لك ، ولغيرك ، في حلّ هذه المشكلة .
طبعاً .. كان هناك جواب ، وكان هنـاك حوار .. ولكن كل هذا لم يكن هاماً ، بقدر أهمية ذلك الاهتمام الذي خصّ به الطفل تلك المناسبة ، والذي شغل عقله وفكره وشعوره وعاطفته !.
وقد يكون هذا الشأن عادياً ، بالنسبة لذلك الطفل ، أو بالنسبة لأي طفل في ستينيات أو خمسينيات القرن الماضي ، بل قد يكون هذا شأننا جميعاً ، عندما كنّا في مرحلة الطفولة ، فنحن مازلنا نذكر ليلة عيد الأم ، حين كنّا ننتظر لجوء الوالدة إلى النوم ، فنقوم إلى هدايانا التي أحضرناها مسبقاً ، نجهّزها بتأنّ ، نغلّفها بورق أنيق ، ونربطها بأشرطة ملونة ، ونرفقها ببطاقات معايدة نضمّنها أروع عبارات الحبّ والشكر والوفاء التي يمكن أن ينسجها خيال طفولي ، ثم نضعها إلى جانب سرير الوالدة ، لتجدها ، مع قدوم صباح عيد الأم ، تنقل إليها تحية الصباح ومحبّة الأبناء!.
لم تكن هدايانا غالية الثمن ، أو باهظة التكاليف .. كانت عبارة عن قارورة عطر ، أو علبة شوكولا ، أو كيس سكاكر ، أو (إكسسوار) متواضع ، أو ما شابه ذلك .. ولكنّ قيمتها المعنوية كانت أغلى من ذلك بكثير .. كنا ندّخر ثمنها من (خرجيتنا) المتواضعة ، كنا نسعى إلى جمع المال (فرنكاً ، فرنكاً) ، ونحرم أنفسنا من أشياء كثيرة ، قريبة من نفوسنا وحبيبة إلى .. بطوننا ! . ولم نكن نحمّل والدنا أيّ مصروف إضافي ، وليس كما يحدث هذه الأيام ، فالزوج مسؤول عن جلب هدايا أيّة مناسبة ، وأيّ عيـد ، سواء أكان عيد الأم ، أو عيد الحب ، أو عيد الميلاد ، أو عيد الزواج ، أو عيد الشجرة ، أو عيد حظر التجارب النووية !! ... وقائمة أخرى من الأعياد ، التي تُسْتَجد دائماً ، وترهق جيوب الأزواج المساكين !!! ..
وفي عيد الأم ، لم تكن هناك عطلة رسمية ، بل كان هناك احتفال رسمي ، إذ بعد أن نحضر حِصّة أو حِصتين في المدرسة ، تدعو الإدارة تلاميذها إلى النزول إلى الباحة ، حيث يكون المدير والأساتذة مجتمعين ، فنستدير معهم في حلقة مغلقة، ونتابع وإياهم فقرات حفل بهيج ، تتخلله تمثيليات تشيد بدور الأم ، وكلمات تلهج بثناء الأم ، ومسابقات تدعم هذه المناسبة ، وتحولها عيـداً حقيقياً ولا كل الأعياد !.
* أجل .. هكذا كنا نهتم بهذه المناسبة الاجتماعية ، وهكذا كنا نحتفل بعيد الأم ، لم يكن احتفالنا واهتمامنا وتصرفنا تكلّفاً أو افتعالاً .. كان نابعاً من حب حقيقي للأم ، وشعور عميق بضرورة تكريمها وتعظيمها ، واندفاع نقي لا تشوبه شائبة نحو إرضائها وإسعادها .
وهكذا كان دأبنا .. في كل عيد يدعو إلى تمتين أواصر المجتمع ، ويسعى إلى دعم أركانه وتثبيت مرتكزاته ، ويهدف إلى بناءِ وَسَطٍ ذي قيم وطنية وسلوكية وثقافية وفكرية ملائمة لمتطلبات الغد ومستجدات المستقبل .

د. موفق أبو طوق