قليل الذوق

من بدائعِ صُنْعِ الله : خَلْقُ الإنسان وعجيبُ اختلافه في شكله وهيئته ولسانه ولونه وطباعه. والطباع هنا نعني بها «الأخلاق» وهي بعض من ميزات الإنسان .والطبع فيه يغلب التطبُّع
وقد أشار لهذا شاعر الحكمة زهير بن أبي سلمى صاحب مَنْ ومَنْ حين قال :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها يوماً تُخفى على الناس تُعْلَمِ
فالناس يتباينون في أخلاقهم فيما بينهم، الجميل منها والقبيح ويختلفون فهناك الكرم والبخل والشجاعة والجبن , والوفاء والغدر, والأمانة والخيانة , طباع وأخلاق كثيرة تكاد لا تُعَدّ ولا تحصى ويشترك بها الإنسان والحيوان سواء بسواء, فمن الحيوان خذ مثلا : الجمل لئيم والخيل كريم والكلب وفي والنمر غدَّار..الخ. وكذلك بين الناس فترى بينهم من يتحلى بخلق كريم وآخر بخلق قبيح مع أن كل صفة تسم صاحبها وتلازمه وتشهره بين الناس كالكرم صفة كانت تقال لحاتم الطائي والوفاء للسموءل والشجاعة لعنتر . و..و..الخ .
والأخلاق القبيحة تعاكس الأخلاق الحميدة وتشهر صاحبها أيضا , والأمثلة من النوعين كثيرة يعج بها ويحفل تاريخنا وأدبنا العربي.
ومكارم الأخلاق الحميدة لم تجتمع في مخلوق قط كاجتماعها عند أشرف خلق الله محمد «ص» ففي الآية الكريمة «وإنك لعلى خلق عظيم» وحين سئل عن ذلك صلى الله عليه وسلم أجاب :
« لقد أدبني ربي فأحسن تأديبي».
والناس قد اتفقت على أنها لو جمعت الصفات الجميلة « كالنبل والشجاعة والوفاء والصدق والأمانة و..و.. الخ ودمجتها في كلمة واحدة لكانت هي «الكرم» وهنا عندما نقول أن فلانا كريم فهذا يعني مجازاً أنه كريم وشجاع وصادق ووفي ..الخ . ومثل ذلك أيضا في الصفات القبيحة فقد جمعوها في كلمة واحدة فكانت هي كلمة «قليل الذوق» فقلة الذوق هنا تعني الوقاحة والدناءة والغدر والخيانة والكذب و..و..الخ .. وكم يصادفك أمثال أولئك في الحياة من قليلي الذوق !؟ .
فخذ مثلاً : شخص يتكلم على الهاتف وآخر يتصنَّت عليه خلسة كلمةً بكلمة وحرفاً بحرف فهو قليل ذوق وفعله قلة ذوق , وآخر يهمس في أذن صاحبه كلمات وبصوت خافت يكاد لا يسمع فترى آخر ولا علاقة له يشاركه الحديث ويتدخل دون استئذان بل ويبدي الرأي دون أن يطلب منه أما نسميه بقليل ذوق ؟ , وترى آخر وجهت له دعوة شخصية لحضور وليمة فيذهب إليها ويصطحب معه شخصا آخر أو أكثر, وبكل تطفل وغلظة تراه وقد تصدر مأدبة الطعام وصال وجال يريد أن يغرف ويسكب الطعام من كل صحن على الطاولة ماداً يده من أولها لآخرها حتى ومن فوق رؤوس المدعوين فهو جشع يريد أن يأكل من جميع ألوان الطعام والفواكه ألا نسميه قليل ذوق!. وآخر مسافر تسمعه يتكلم بصوت عال على الجوال في حافلة يؤذي أسماع الآخرين ولا يخجل أليس في تصرفه قلة ذوق!؟
و تصادف آخر وقد جلس بجوارك يمطّ رقبته يختلس النظر ليشاركك في قراءة صحيفتك أليست هذه قلة ذوق .. ومن يخالف المرور عمدا لا سهوا ولا يسمح لعجوز أن يعبر الشارع قبله أليست تلك قلة ذوق . فقيادة السيارة فن وذوق أمثلة كثيرة تصادفنا في حياتنا اليومية تكاد لا تنتهي .
وأهل زمان قالوا . « الذوق فضلوه عن العلم « ومعاشرة جاهل مذوق أفضل من متعلم قليل ذوق . وقد جاء في أمثال أهل حلب : « جنزير وطوق ولا بَرْكِة مع قليل ذوق « والبَرْكِة هي الجَلْسِة . فقلة الذوق صفة من صفات الإنسان وطبع من طباعه . فتخلق بما شئت، لكنه تنبه ألا تتجمل بخلق جميل وتخفي القبيح فالأيام كفيلة بفضحك كما ذكر زهير بن أبي سلمى .
جنَّبنا الله وإياكم مصادفة قليلي الذوق أو مجالستهم .
محمد مخلص حمشو