لا كذب الأطفال و تنوع الشخصية لا تعــاقبــه علـى الكــذب بــل شــجعــه علــى الصــدق

يتمنى الأهل مطلقاً أن ينهج أطفالهم الكذب في تصرفاتهم أو دفاعهم عن أنفسهم أو حتى التعبير عن ذاتهم , ولا يرغب الأهل أن يكتشفوا ذاك الخلل في وقت متأخر يفوت فيه وقت التدخل الإيجابي لتصحيح الخطأ الواقع , آخذين بعين الاعتبار خطورة ممارسة الكذب على شخصية ابنهم و بالتالي على مستقبله و كيان العائلة كاملاً . و إن كان الكذب آفة خطرة على المجتمع ككل , فبالتأكيد هو فاتك بالطفل الغض الذي لا يدري قساوة نتائجه .

تمييز
التمييز بين شخصية الأطفال هو البداية الصحيحة في سبر عوالمها و اكتشاف تقبل وجود الكذب و ممارسته , لذلك وجد الاختصاصيون نوعين لشخصية الأطفال , و هما الخيالي و الواقعي , حيث يمكن التمييز بينهما ببساطة من خلال مراقبة بعض التصرفات اليومية للطفل , كتعامله مع ألعابه , أو تقبله للإرشادات , أو تواصله مع الأبوين , حيث يكون الطفل الخيالي أقرب إلى الكذب من قرينه الآخر , و هنا تكمن مشكلة حقيقية , و هي ضرورة و أهمية الخيال في إبداع الطفل و تميزه , و أهمية توجيه الخيال في التميز الإيجابي .
تمحص
للتعرف على شخصية طفلك يجب مراقبة أدائه اليومي الاجتماعي و هنا تكون بداية التصرف العلمي , فالطفل الواقعي تلاحظ أنه يتعامل مع ألعابه بالطريقة التي صممت للعب فيها , و دائماً يكرر نفس الطرق في التعامل معها , في نفس الوقت يكون كلامه قليلاً و معبراً عن المشكلة التي يريد طرحها , و عندما يقوم أحد الأبوين بتدريسه تجده يقرأ خطوة خطوة و بهدوء , و هو لا يقبل الأمور غير الواقعية , أما الطفل الخيالي فمن الممكن أن يروي قصة كاملة و بكل تفاصيلها دون أن يكون لها أساس , وممكن أن يفتح حواراً افتراضياً طويلاً على الهاتف مع نفسه , كما أنه لا يقبل الإرشادات المنظمة و المرتبة .
أسباب الكذب
بالقطع الطفل هو ابن المحيط الذي يعيش فيه و يكتسب مهاراته من خلال المواقف التي تجول في فضاء ذاك المحيط , فعندما يطلب الأب من أولاده أن يخبروا أحدهم عبر الهاتف بأنه غير موجود , أو عندما ترفض الأم تلبية دعوة لسبب غير حقيقي , وعندما يعد أحد الأبوين أطفالهم بهدية أو بنزهة أو مكافأة و لا يفيان بالعهد , كل تلك المواقف و ما شابهها و خاصة عندما تتكرر , تشكل التربة الخصبة ليصبح الكذب تعاملاً فطرياً عند الأبناء , بعدها يصعب أن يتخلصوا من هذه الميزة البشعة , كما أن تعدد المرجعيات السلوكية و المعرفية بسبب توسع الاتصالات و زيادة عدد الفضائيات , له بالغ الأثر بتشويه الثقة تجاه الأهل و لأنه في الماضي كان كل ما يتلقاه الأطفال صادراً عن أقرب الأشخاص لهم و هم الأهل و لا يوجد منازع أو بديل لذلك المنهل المعرفي الذي لا يمكن أن يقع بالمقارنة مع غيره , فالطبع سيكون المكان الوحيد الذي يؤمن ثقة الأطفال بعد أن شكل لهم الزاد المعرفي و المعلوماتي و المرجعية السلوكية التي تحدد معالم شخصيتهم فيما بعد .
تحليل و حل
عبير . ك , موظفة , قالت بعد أن واجهت نفس المشكلة التي نحن بصددها مع طفلها: كنت أتوتر عندما اكتشف أن ابني روى لي شيئاً غير حقيقي , أو قدم لي ذرائع كاذبة لتبرير أي موقف يحس بأننا غير راضين عنه , و بعد استشارة المرشدة الاجتماعية في مدرسته , أشارت إلي بقاعدة ذهبية و هي أنني أريد أن أشجعه على الصدق ولا أعاقبه على الكذب , أي التعامل بإيجابية معه , من خلال الحوار الهادئ الذي يكون هدفه الأساسي التفريق بين الواقع و الخيال , و اكتشفنا أن لديه زيادة في الطاقة الطبيعية التي يجب تفريغها من خلال دفعه للحديث بثقة عن الأسباب التي تجعله يختلق مواقفه الخيالية , إضافة لضرورة دفعه لنشاطات محددة كالرسم و الكتابة , أو اكتساب مهارات جديدة , و الأهم من ذلك أن يشعر بأنني أصدقه و ينتظر مني ردود فعل قريبة من توقعاته بعيدة عن العنف و التعنيف , مع العلم أن الطفل ذوو حساسية مفرطة هذا ما يدفعنا للابتعاد عن جعله يحس أننا نراقبه في كل همسة أو كلمة أو تصرف , أي يجب أن نراقب بحذر لكي نصل للحل الأكيد , و يجب أن يحس أنه محبوب لبعث الاطمئنان في نفسه , مع ضرورة توفير احتياجاته الأساسية بشكل معقول و مقبول , مع العلم أن كل ذلك يجب أن يترافق بتنسيق بين الأهل و مجتمع المدرسة للحصول على نتائج مرضية .
المحرر
يبدو أن البذرة الأساسية في تحقيق شخصية بعيدة عن الكذب هي الثقة , و هذا الأمر جد طبيعي لأنه عندما تفقد الثقة في التعامل حتى بين الأفراد الناضجين و الفاعلين في المجتمع , لا يكون هنالك إنتاج حقيقي للمعرفة و لتحصيل أية نتائج معقولة و حقيقية تعود بالنفع العام , فما بالك بالطفل الذي يشكل صفحة بيضاء و يمثل الضعف الطبيعي بسبب تكوينه الغض الذي لم يصل حتى لدرجة الدفاع عن نفسه , فمعالجة المشكلة تحتاج إلى صبر و دقة , لكن في النهاية و بعد مراعاة القواعد العلمية يمكن أن نصل للنقطة المرادة , و نزرع في مجتمعنا بذرة صالحة .
شريف اليازجي