مقالة تراثية طريفه عن حماة.. حماة الطبوغرافيا في «طلعاتها ونزلاتها»

اعذرني أيها القارئ ربما في العنوان شيء من الغرابة إلا أنه بداية قد عُرفت حماة منذ الأزل بأنها من أقدم المناطق التي سكنها البشر في العالم أجمع، إذ يرجع تاريخ استيطانها إلى العصور الحجرية الأولى، حيث قدر بسبعة آلاف عام، وأن أرض المدينة «المحافظة» تتمتع بتنوع في التضاريس حيث تتكوّن من مجموعة من السهول، والجبال، والبوادي التي تنتشر على طول نهر العاصي الذي يبلغ طوله ما يقارب 171 كم على جانب الغابات الوارفة. كما أنها تتميز بمناخ متنوع ومتباين فهو منعش في مناطق الجبال ومعتدل في السهول السهلية , دافئ في البوادي , وربيعها ساحر بديع, كما وتعتبر حماة من أغنى محافظات القطر بالآثار القديمة التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ ، ولعل تفردها بوجود النواعير على ضفاف العاصي والتي تتميز بتفاوت أحجامها وعددها هو الذي أكسبها لقب «مدينة النواعير» إضافة إلى لقب مدينة «أبي الفداء « ملكها وعالمها رجل السيف والقلم الذي تولّى حماة عام 1310م، واستمر ملكاً عليها حتّى وفاته عام 1331م ، على أن مقالتي عن مدينة حماة لا أقصد فيها نبش تاريخها , أو تلميع صورتها كمقصد سياحي , أو ...أو.. إنما ما لفت نظري وشد انتباهي كثرة تلك الإطلالات الرائعة التي تميزت بها حماة وكم هي عديدة ومتنوعة. خذ مثلا إطلالة البرناوي أو إطلالة الشريعة حيث يجلس المتنزهون مسرورين مأخوذين في متابعة مشهد بانورامي ولا أروع وأجمل من طبيعة غناء وأشجار باسقات تتمايل أغصانها , وبساتين , ونهر جميل ونواعير تدور كأفلاك ينساب منها الماء , وجداول وجسور , وإن تفرد حماة من إطلالة واحدة من على ظهر قلعة حماة يعطيك مشهداً قلّ نظيره في العالم كله، إنك تجمع فيه بين كنوز بصرية من جمال الطبيعة الأخاذ والتاريخ العريق أيضاً، فإذا نظرت تجاه ساحة العاصي حيث ناعورة المأمورية والجسرية تعود لزمن الآراميين الذين أوجدوا الناعورة ثم تتنقل إلى حارة الطوافرة وقصر العظم العهد العثماني ثم جامع النوري عهد نور الدين الزنكي 1134 م ، كما هو مؤرخ ففندق أفاميا وجسر السيد الرئيس عهد الحداثة ثم تتابع النظر جامع أبي الفداء ثم حي المدينة فالجامع الكبير وتاريخه العريق ثم ناعورة المحمدية أكبر نواعير حماة والجزيرة الخضراء والجسور العتيقة والطواحين فالكهوف المحفورة بالصخر عهد الإنسان الأول، فمرتفع البرناوي الرائع وبذا تكون وأنت في مكانك وببضع أمتار فقط قد جمعت تاريخاً عريقاً مع كنوز بصرية لا تقدر بثمن ، أتذكر وأنا صغير إطلالة الدباغة على ساحة العاصي وجسر المراكب الجبل الصخري الذي يعلو مدرسة صالح قنباز العتيقة ويماثلها في ذلك وبزاوية نظر مختلفة إطلالة الباشورة , كإطلالة ما يسمى بالشير جبل يطل على خان رستم باشا وساحة المرابط فساحة العاصي ويماثلها إطلالة البيوت في حي الجراجمة «باب النهر» على مناظر بديعة وهناك أيضاً في منطقة الحاضر إطلالات وإطلالات وأروعها تلك التي في منطقة باب الحيرين تطل على الكيلانية وجسر الشيخ والنهر ونواعيره الأربعة في الموقع وإطلالات حي القصور على منازل الشريعة والبساتين والنهر أو إطلالات تشرف على جبل زين العابدين وغيرها .. حقاً إن حماة هي متحف في الهواء الطلق على أن أرضها قد أكسبتها هويتها وارتبط اسمها بما يحيط حولها من تضاريسها بارتفاعها وانخفاضها. فحماة في جغرافيتها الطبوغرافية أرض ليست مستقيمة سوية السطح كحمص أو طرطوس أو الرقة مثلاً وغيرها .إن أرضها تتميز بارتفاع وانخفاض بارز عما حولها , وكما قيل حماة كلها في أحيائها وأكثر شوارعها صاعدة هابطة «طلعات ونزلات» فخذ على سبيل المثال القادم من حمص ينزل حماة من شارع العلمين باتجاه ساحة العاصي أو نزلة الشهداء باتجاه ساحة باب طرابلس وكذلك القادم من حلب ينزل نزلة الحاضر فجسر العبيسي فساحة دار الحكومة، ولو أراد أن يتابع نحو السوق الطويل عليه أن يسير صعوداً شارع الدباغة , كما أن النازل من المحطة للبلد عليه أن ينزل نزلة الجزدان أو نزلة الجراجمة من طرف مواز عند جامع السرجاوي, أو نزلة الجلاء ليفضي إلى ساحة باب طرابلس كما في بعض أحياء الحاضر نزلة الأميرية باتجاه ساحة الخضار ونزلة المناخ باتجاه الشمالية وتكثر الطلعات والنزلات الفرعية في الأحياء وكانت تسمى إما بأسماء عائلات من الجوار كالجزدان أو السبسبي أو نسبة لمكان كطلعة الحريري نسبة لفرن الحريري أو ..أو ولاسبيل لذكرها على أنه من الملفت للنظر وكما أسلفنا كثرة الطلعات والنزلات في أرض حماة وتعقيدها كان قد ألهم ابن حماة تنفيذ شبكة ري تسقي حماه من العاصي كلها بمساجدها وحماماتها وأسواقها وبيوتها في شبكة ري معقدة وقد أنجزت بنظام عبقري جعلها معجزة هندسية وإعجازاً على مستوى العالم لا تسبقها شبكة ري أخرى , وكانت تلك الشبكة في خدماتها كإعجاز صنع الناعورة التي ترفع الماء من نهر يجري في وهاد أخفض من مستوى سطح الأرض مرفوعا بالناعورة دونما حاجة لطاقة أو حيوان بل بالماء «خادم بالمجان» .
فكان أن طبوغرافية حماة قد ألهمت الحموي ابن البلد أن أوجد تلك الشبكة الرائعة كما ألهمت طبيعة حماة الساحرة الذوق والحس الراقي للفنان والأديب والشاعر ابن المدينة فكان مميزاً أيضاً في ابداعاته ... ومن المضحك أن الحمير والعربات الخشبية التي تستخدم بالنقل يجرها البغل والعربات التي تنقل الأشخاص يجرها الحصان تقوم مقام تكسي اليوم . كانت تكثر في حماة زيادة عن غيرها من المحافظات نظراً للحاجة الماسة إليها في النقل حيث يصعب ذلك بجهد الإنسان كما أسلفنا لاختلاف سوية الطرق وخاصة في زواريب الحارات خذ.
مثلاً الطلعات في باب البلد طلعة الشرابي وآل المراد وأيضا طلعة السبسبي وعلى قولة ستي يكاد القلب أن يقف كنت تضحك لمرأى سيدة مسنة تسند خاصرتها بيدها.
محمد مخلص حمشو