مأزق الاعلام البيئي

لايزال الاعلام البيئي يشكل احد المواقع الاشد ضعفا في الخطاب الاعلامي العربي.فعلى الرغم من الارتباط الذي بدأ بين الموضوع البيئي واهتمامات عدد من الحكومات العربية المتمثلة في جملة من الأنشطة المتعلقة بالبيئة وقضاياها - وعلى الرغم من قيام وانشاء اعداد كبيرة من المراكز، والتخصصات الاكاديمية والهيئات والمؤسسات والمنظمات المهتمة والمتخصصة الا ان نفاذ دور هذه المؤسسات على الصعيد الاجتماعي والثقافي ومن ثم في الخطاب الاعلامي يتمظهر على نحو خامل وخافت انه الموضوع البيئي وان بدا حائزاً على انتباه ونشاط غير عاديين في المجالات المذكورة آنفا على مر العقدين السابقين وصولاً الى هذه اللحظة الا انه مافتئ يراوح مكانه كأحدى المهام الفوقية والهموم النخبوية مكتفياً بما تخلص اليه تلك الأنشطة والفعاليات الرسمية وغير الرسمية من جملة توصيات ومقترحات وأفكار قد لاتجد طريقها ولايتسنى عبورها واجتيازها المجال والحيز العملي المؤسسي والشعبي في اغلب الاحيان.

ومن هذا المنطلق قد لايعكس غياب الموضوع البيئي أزمة اضافية لأزمات الخطاب الاعلامي العربي بل قد يشير الى بعد اشكالي اشد عمقاً يكمن في سؤال كبير ممتد حول مدى قدرة المؤسسات على ادارة الواقع بذهنية وعقلية تحتل منها الادارة البيئية جزءاً حيوياً ومعتبراً.‏

فالفعاليات البيئية التي تخلص الى افكار لتبني الخطط العملية للتنمية في الوجهة التي تتلائم مع البيئة أوتقود لضرورة ادخال الموضوع البيئي كأحد العناصر الاساسية لدراسات جدوى المشاريع التنموية او تنادي وتدعو لاصدار وتصدير اعلان نوايا في ما يختص بالملوثات وصيانة الموارد المشتركة واعتماد الاتفاقيات الى غيره مثل تبني مفاهيم حديثة حول السلام والتنمية وشجب مختلف اشكال التنازع المسلح الى آخره تظل واقعة تحت اتهام النزوع النظري المظهري - الافتراضي - ذي النوايا الحسنة «كذلك » تجاه الموضوع البيئي ما لم يتبع ذلك النزوع سياسات خاصة ونوعية تتعلق اصلا بتنمية المفهوم الاعلامي للبيئة بما يحقق القدر الكافي من النهضة بالوعي البيئي العام.‏

وبعيداً عن التحليلات والآراء المبثوثة والمتوزعة هنا وهناك حول النقص العضوي الثقافي والحضاري في الآليات السياسية وبعيداً عن مضاعفات الجفوة الناشبة بين طرف عمل وتفكير الادارات والشروط والمحددات الواقعية لادارة البيئة وبعيداً عن مجمل الدوافع والاسباب التي تقود الى نتائج عمومية في أفضل الاحوال - بعيداً عنها وليس استبعاداً لها نرى ان هناك مستويين للأزمة أومفهومين لها:‏

الاول : يكمن المستوى الاول في غياب الدور الخاص والفعال للاعلام البيئي بالدرجة التي تجعله حقلاً نشطاً بالمنظومة الداخلية للخطاب الاعلامي وبالتالي مجالاً منشطاً لرأي عام مستنير بقضاياه البيئية.وإذا كان المعنى مباشراً للاعلام البيئي كونه ذلك النشاط الاتصالي الذي يبيح استخدام وتوظيف وسائل الاعلام المسموعة والمقروءة والمرئية بغرض التعرف بالمعلومات وتبادل وتمليك المعارف القائمة بشأن البيئة لافراد وجماعات المجتمع فان هذا المعنى يغدو حتى هذه اللحظة الراهنة معنى ضيقاً بالمقارنة الى المعنى غير المباشر .‏

فالاعلام كمعنى ومفهوم خليق بأن يشمل اطاراً أشد اتساعاً وجديراً بأن يتضمن كافة العلاقات الحيوية له من اقتصاد وسياسة وثقافة بنحو يعطي الهوية والملامح الخاصة به.‏

غير ان التعريف غير المباشر يظل الى الآن مؤجلاً طالما أن وجهة النظر السائدة والقائدة للعمل الاعلامي والناظمة لخطابه تهتم بالمعنى المباشر الذي قد يستجيب لشرط الضمور الذي عليه الاعلام البيئي واقعياً والمتمثل في عمل الوحدات والاقسام والمكاتب التابعة لوزارات وهيئات البيئة.‏

انها وفي كلمة واحدة مجموع الحلقات الاعلامية الارشادية التي لاتتمكن حتى الآن من التحول الى صيغة اعلامية ذات قدر مؤثر من الحساسية والانتشار ومن ثم التأسيس لوعي متقدم وبصير ببيئته ولا نقول مشكلاته .‏

فلقد ادى ارتباط نشأة وميلاد الاعلام البيئي بالادارات والجمعيات البيئية فقط الى خلق تعبير خاص به القى تعميمه كاعلام للمشكلات البيئية والتنبيه بأخطارها ومهدداتها اكثر منه كاعلام تنويري وتثقيفي بماهيات وطبائع وأنماط البيئة في مفصل علاقاتها بالانسان .لقد دفع هذا الوضع أي الاعتماد على البعد الارشادي فقط في نشاط الاعلام البيئي التقليدي الى تدمير القيمة الجوهرية من المفهوم العام للبيئة.‏

كما ان ارتباط الاعلام بهذا المنحى جعله اعلاماً جاز وصفه باعلام مابعد وقوع المشكلات والكوارث مؤدياً بالتالي الى التفريط بمقولة حكيمة ورائجة « الوقاية خير من العلاج » بل يمكن وصف ان المصائب والكوارث غالباً ماتكون المدخل النموذجي للولوج الى قضايا البيئة ومن هنا وجب تصحيح تداخل المفهوم الجاري بين الاعلام والتوعية اذ ان المفهوم من الاعلام البيئي يشير الى تلك العمليات التعليمية والتوعوية في المجال البيئي بواسطة توظيف كافة وسائل الاتصال،بينما نجد ان المفهوم الثاني يقف عند المعاني والمقاصد من التوعية والارشاد بغية تجنب المشكلات البيئية ومعرفة طرق علاجها.‏

انه وفي مجال تفعيل العلاقة بين الاعلام البيئي والمجتمع ثمة أهمية قصوى لان يحتل الاعلام البيئي موقعاً متقدماً ضمن الانواع الاعلامية والمتخصصة وندوات وبرامج واستخدام كافة وسائل التبليغ الشفهية خاصة في مجال مجتمعات النساء والرجال الاميين.‏

ولكن مشكلة الاعلام البيئي هنا قد لاتبدو فقط في الامكانية الغائبة لمؤسساته في الحصول على فرص استيعاب الجمهور والرأي العام بل في خلق الظروف العلمية المواتية للخلق في مختلف المجالات الاعلامية خاصة في التلفزيون والاذاعة المسموعة والصحف.‏

انه على الرغم من صعود الاهتمام اعلامياً بالموضوع البيئي بعد وقوع كارثة بابال بالهند عام 4891م وكارثة تشرنوبل باكرانيا عام 6891 وانعكاسات ذلك في الاجهزة الاعلامية والمعلومات البيئية الا ان نصيب ذلك يظل دون المستوى المطلوب خصوصاً وان هناك مزيداً من العوائق التي تقف امام المعلومة مثل تحفظ وحساسية الحكومات على بيانات واحصاءات ومستجدات الاوضاع البيئية ويكفي هنا الاشارة الى احداث التصحر والجفاف التي ضربت اجزاء من البلاد العربية منتصف الثمانينات .‏

كذلك نجد من الصعوبات المتكررة ضيق نطاق التداول للمطبوعات البيئية المتخصصة من قبل المؤسسات الحكومية وغيرها « ويبدو هنا ان احدث الازمات التي يواجهها الخطاب الاعلامي البيئي في هذه الايام تكمن في غياب الكادر الاعلامي المتخصص في المجال البيئي‏

هوامش‏

- من محاضرة الاعلام البيئية - أهميته - دوره - مآزقه التي ألقيت في دورة الاعلام الشبيبي‏

الكاتب: 
رياض محناية