ديوان كَرَم للشاعر مصطفى العلواني

الدكتور مصطفى العلواني خبير في علم السكان وباحث فيه، عرف بمؤلفاته القيمة في هذا المجال، بالإضافة إلى كونه شاعراً أبدع ثلاثة دواوين-النشاوى الغريرات- درة التاج- ديوان كرم- الذي صدر مؤخراً عام ٢٠٠٧م. وقد أتيح لي الاطلاع على هذه الدواوين الثلاثة، ويلاحظ أن الديوان الجديد قد انماز عن سابقيه- رغم جودتهما- ففي هذا الديوان تنوع مميز بالمواضيع المطروحة بالإضافة إلى شفافيتها وجمالها ... وأول مايطالعنا في ديوان الشاعر مصطفى العلواني ذاك الإهداء الجميل لملهمة هذا الديوان رفيقة عمره «كرم» إذ قال: تبسم الدنيا ومجدي يبسم ُ حين ألقاك ملاكي كرمُ حين ألقاك ضياء غامر تشرق النفس ويشدو النغمُ سكن أنت وقلبي مسكن وطني أنت وحبي الموسمُ هذه الأبيات الجميلة المضمخة بأبيات الحب والعرفان للزوجة الصالحة- إنها تعبير عن السكن الأسري الذي ذكره الله تعالى بالقرآن الكريم. وقد افتتح الشاعر الديوان بقصيدة- الرجال المنارة- وهي تمجد مدينة السويداء- حاضرة جبل العرب الأشم ، كما تمجد المجاهد سلطان باشا الأطرش وإخوانه الشجعان فقال الشاعر: ياأيها الجبل المنيف تحية تسمو على قمم الجبال علاءَ نسجت مكارمك العلا وتعاظمت قيم الجهاد على الربوع فداء ثم يخاطب الشاعر الدكتور مصطفى العلواني القائد الشجاع سلطان باشا الأطرش الذي قاد الثورة السورية ضد المستعمر الفرنسي بكل كفاءة ورجولة بقوله: ياقائداً هام الخلود بذكره فمضي الجميع يردد الأصداء وقد شملت الثورة السورية في عامي ١٩٢٥ و١٩٤٥ م معظم أرجاء الأراضي السورية وها هو ذا الشاعر العلواني يشير إلى لحمة الجهاد بين أبطال جبل العرب وأبطال حماة أمثال الشهيد سعيد العاص، وعبد القادر مليشو ، ومصطفى عاشور ، وعلاء الدين الكيلاني ، والدكتور صالح قمباز الذين استشهدوا على أرض حماة دفاعاً عن حمى الوطن وفي كل شبر من أراضي سورية العربية بالإضافة إلى المجاهدين منير الريس، وجميل العلواني ، فقال: هذا سعيد العاص جاء مكرماً وجميل يعلي في الجهاد لواء ومنير في دنيا البطولة شامخ بفعاله قد عطر الأجواء ورفاقهم كتبوا العلا بدمائهم فأضاء ذكراً وانتشى أسماء وعلاء أو قمباز في الجلى مضوا وقضى الكثير على الدروب إباء وشاعرنا الدكتور مصطفى العلواني تهزه بطولات أبناء أمتنا العربية في جميع أقطارها فالهم واحد والحمى واحد ، فانظر إليه يوصل- تحية دمشق إلى الجزائر- شعراً في افتتاح ملتقى ابن خلدون العالمي في جامعة تيارت في الجزائر الذي كان مشاركاً فيه ببحث عن ابن خلدون في ١٧/٥/٢٠٠٦ مفتتحاً قصيدته بالنسيب على عادة الشعراء القدامى فقال: وعدت ويصدق وعدها دعدُ فتنسموا من عطرها واشدوا ياصحبتي هذا النسيم أمن أرج يفوح أو انتشى الندُّ يحيي السقيم فينتفي سقم ويلوح من نجد الهوى نجد ثم يعرج الشاعر على ذكر أبطال الجزائر وبطولاتهم الشهيرة، فكان الظفر والاستقلال بعد ما مرغوا فرنسا بالوحل فقال: خاضوا المعامع منعة لحمى في أرضهم يسّابق المجد ذاقت فرنسا مر صعدتهم لما دحاها منهم زند فجرت تهرول وهي صاغرة ويلفها من خزيها برد إن بطولات أبناء الجزائر تدعو للفخر والتحية لهم ولشهدائهم الأبرار مشفوعة بالخشوع والحب والتقدير من أبناء سورية العربية وعاصمتها دمشق فقال: فاخشع على أرض ومأسدة ما شأنها زيف ولا وغد هذي دمشق بحبها اتشحت ترنو بشوق والهوى يبدو وهي التي للعهد صائنة تهدي التحية والوفا عهد وفي التاسع من شهر نيسان لعام ٢٠٠٣م أصيبت الأمة العربية بنكبة جديدة، تدمى لها القلوب ، لقد سقطت بغداد عاصمة الرشيد ، إنه كابوس نزل على الأحرار من آل يعرب، وقد عبر الشاعر الدكتور مصطفى العلواني عن ذلك بقصيدته «ابن العلقمي» فقال مشيراً لما لاقت بغداد من غزو سابق تعرضت له على يد هولاكو والتتار والمغول في تاريخها الصامد، وستكون نتيجة هذا الغزو الجديد مآل سابقيه من خزي وعار ، وذلك بفضل التكاتف وتوحيد الصفوف بين أبناء الأمة العربية فقال: مابال بغداد والتاريخ يخبرنا عن التتار وهولاكو وقوّاد ِ وكيف أسوارها قد سلمت وجرت للعلقميين أحقاد بأشهاد فلن تدوم لهم حال إذا اتحدت سواعد العرب في عزم وإعداد وشاعرنا وفي لأصدقاء الحرف وها هوذا يلقي قصيدته - الشاعر - وفي تكريم الشاعر محمد منذرلطفي في الحفل الذي أقيم في شهر تشرين الأول عام ٢٠٠٦ فقال مخاطباً الشاعر المكرم: ياأيها الغريد في صبح الهوى صدح الهزار وكنت أنت الأمهرا تشدو على دوح الجمال مغرداً وتهيم في دنيا الحسان مؤزرا لقد دل الشاعر مصطفى العلواني على ماعرف من الشاعر منذر لطفي من عشق للجمال والتغني به، وهل يوجد أجمل من حماة بمناظرها الخلابة وعاصيها المعطاء، فلنسمع ماقاله الدكتور الشاعر مصطفى العلواني بحب الشاعر منذر لطفي لحماة حيث يلتقي الجمال مع الإبداع فقال: ياشاعراً صاغ الكلام فرائداً وأعاد في شعر وهام وصورا تتلى ويشجى بوحها متوهجاً وتسلسل الألحان لحناً مبهرا إلى أن قال كرمت حماة بها ففاقت أحرفاً وسماحة وشجاعة وتبصرا ومن لايعرف الشاعر المكافح عبد الوهاب الشيخ خليل ، هذا الشاعر العصامي صاحب الأخلاق الحميدة الذي قبل التكريم تجاوباً مع رغبة الزملاء والمحبين ، ومن أجدر من الدكتور الشاعر مصطفى العلواني بالتعبير عن مزايا وشيم وشمائل المكرم وهي شبيهة به أيضاً ، فها هو ذا يلقي قصيدته- النسر الأشيب- في تكريم الشاعر عبد الوهاب الشيخ خليل الشعراني في الحفل الذي أقيم لتكريمه في حماة في شهر تشرين الأول عام ٢٠٠٦ فقال مشيراً لعصامية المكرم وإبائه فقال: أنت العصامي الذي في حنكة خبر الحياة وخاضها متحققاً أنت الإباءولا إباء مثله أنت الصفاء بوجده قد أورقا لهذه المكارم التي تحلى بها الشاعر المكرم عبد الوهاب الشيخ خليل الشعراني تنادت الصحاب لتكريمه فقال: وإذا تكرمك الصحاب صدوقة باحت قلوبهم وفاضت غيدقاً فالشعر منك أصالة ومروءة ومكارم ضاءت وحسن أورقا وشاعرنا الدكتور مصطفى العلواني عاشق للجمال الطبيعي الذي يحيط به ، جمال حماة والعاصي الذي يزدهي شاطئاه بالزهر والخضرة والحور والصفصاف في فصل الربيع فيتغنىالشاعر بهذه المناظر الخلابة ، والرائحة الزكية التي يحملها النسيم من عبق أريج أزهار الوادي فقال في قصيدة العاصي : حمل النسيم من الأراك آراكا وصفا أريجاً حين حل حماكا ياأيها العاصي فإني عاشق للحور والصفصاف في مغناكا رشفت ضفافك من مياهك فازدهى حلمٌ وغنى للهوى عطفاكا وكما عشق شاعرنا جمال العاصي فقد أحب غوطة دمشق الزاهرة ، ولا سيما وقد استقبلت بجفونها شاعرة أثيرة لدى الشاعر فزادت جمالاً على جمال وبهاء على بهاء وأصبح لها معنى آخر كما يقال فإن في الخمر معنى ليس في العنب ، فقال في قصيدته عطر المودة : ألحن شعرك قد غنى بدنيانا أم أشرق الحسن من مغناك أكوانا أللنواعير رجع في تذكره أم النفوس تعاني اليوم أشجانا للّه شعرك زاه في نضارته وحسنك الفرد دام الدهر فتانا يختال في ألق ينساب من عبق يسلسل السحر أشكالاً وألوانا وأكرم بها من سنة تكريم المبدعين أثناء حياتهم ، فقد أقيم حفل تكريم للشاعر المبدع والباحث الأستاذ عدنان قيطاز صديق الشاعر الدكتور مصطفى العلواني فكانت قصيدة - الشهامة - مشيداً بإبداعات الشاعر المكرم الشعرية والتاريخية برجالات حماة وأعلامها الكبار وشهدائها الأبرار فقال الشاعر الدكتور مصطفى العلواني في الحفل التكريمي الذي أقيم في حماه للشاعر عدنان قيطاز في مطلع عام 2004 قصيدة طويلة منها: يثني عليك سعيد العاص مفتخراً والشيخ علوان مال اليوم نشوانا مشيراً إلى أبحاثه عن سعيد العاص والشيخ علوان الرائدة ثم يخاطب الشاعر المكرم الذي انماز بأبحاثه التاريخية وشعره فقال الدكتور مصطفى العلواني مشيراً إلى بعض الشخصيات التي كتب عنها المكرم : أشاعر أنت أم بحاثة صدحت لك المفاخر تأليفاً وإحسانا إلى أن قال : أبو الفداء يخط اليوم مزدهياً وشهم شيزر يزجي شعره الآنا ومنهم آل منقذ الأبطال وآل أيوب العظام فقال : جلوت أيوب في الأقدام مفخرة على يراعك أعلاماً وفرسانا وآل منقذ كم حاورتهم كلفاً وكم نخوتهم شيباً وشبانا ولايخفى مافي الأبيات من إسقاط مرموز يتسم ببعد الدلالة وعمق النظرة والغيرة الوطنية. ومن ينسى الشاعر الأديب الراحل وليد قنباز الذي كانت سيرته على كل شفة ولسان والذي اختطفته يد المنون في ربيع عام ٢٠٠٥ فحزن عليه الجميع، وقد أقيم له حفل تأبيني في مدينة حماة، ألقى الشاعر الدكتور مصطفى العلواني فيه قصيدة معبرة- حزن النواعير-وقال فيها: ماللنواعير ثكلى من يواسيها فالدمع يغمرها والحزن يشجيها دارت ويشرقها دمع تكابده فحشرج الصوت واهتزت رواسيها ومن ثم يشير الشاعر الدكتور مصطفى العلواني إلى مواهب الراحل وليد قنباز المتعددة فقال: هو الأديب زها والشعر متّقد والناقد الفذ والأخبار يرويها هل يهجر البلبل الصدّاح أيكته من بعد عشق لدانيها وقاصيها ومن ثم يشير الشاعر الدكتور مصطفى العلواني إلى مواهب الراحل وليد قنباز لاعتلائه المنابر للخطابة وتقديم الخطباء في المحاضرات والاحتفالات بالأمسيات الشعرية فقال: أم هل بكى المنبر المفجوع صاحبه أم هل بكت كلمات الشعر محييها وبعد فهذه إطلالة سريعة على ديوان «كرم» للشاعر الدكتور مصطفى العلواني الذي صب فيه ما يختلج في نفسه من حب ووفاء للزوجة والأصدقاء والوطن بشعر جميل محبب عكس فيه شخصيته التي تجمّلت بهذه الخصال والشمائل العطرة، وقد اتسم بالأصالة والجدة والنضرة والرونق وصفاء الديباجة والألفاظ الأنيقة الفصيحة والصور الجميلة. ٭ أحمد سعيد هواش
الفئة: 
الكاتب: