الثقافة بين نافذتي جارتين

العدد: 
13510
التاريخ: 
الثلاثاء, 16 أيلول 2008
نجح سامح في امتحانات الدورة التكميلية الجامعية، فحمل خبر نجاحه إلى منزل الأسرة، بشائر الفرح، فيّاضة بألوان المعاني.

سمعت جارتهم زغرودة أمه، فسألت بصوتها الرنان من النافذة المقابلة ، تستوضح الخبر، حتى إذا أخبرتها أم سامح ، بأن ابنها نجح في امتحان آخر مادة من مواد دراسته الجامعية في قسم اللغة العربية، ضحكت ضحكتها العالية المعهودة، محمّلة بأمارات استخفاف ، مالبث أن عبّر عن مكنونه بمحاججة كلامية عبر النافذتين المتقابلتين من المنزلين المتجاورين ، بين أم سامح وجارتها. بعد أن طال الحوار ، الذي تدخّل فيه الزوجان عن بعد، عبر التلقيم الكلامي المتقطع، الذي كاد يحوّل الحوار إلى تراشق بالكلمات، أنهت كل منهما حوارها، بضربة - شبه قاضية - لـ ( أباجور) نافذتها ، فحلَّ سكون في الفضاء الفاصل بين المنزلين المتجاورين ، تخدشه أصداء مكتومة، لحوار كل منهما مع رفيق دربها، يحاول استرجاع مادار بينهما، استرجاعاً خاصاً، يسمح بتغيير المعاني والدلالات وفق مقتضى الحال. كاد فرح أم سامح ينقلب هماً وغماً، بسبب مواقف جارتها ، التي أكدت أن دراسة الأدب العربي في الجامعات ، غير مفيدة، ولاتسهم في خدمة المجتمع ونهضته وارتقائه، ناهيك عن الأذى والضرر اللذين تلحقهما بأصحابها، إذ تشغلهم عن دراسة اختصاص مفيد، وتستبدل جنوحهم إلى عوالم الخيال والأوهام والفنون، برصانة الوعي الواقعي، وتحرّي منافعه ومكاسبه . تسرّب إلى قلبها شيء من الشعور بالسأم، وراحت في سريرتها ، تتأسف على تشجيعها ابنها، على اختيار هذا الاختصاص ، وعندما صارحت أباه بما راحت تفكر فيه ، أدخل في معادلات الأسف، استذكار جداول المفاضلة الجامعية التي قادت ابنهما البكر إلى خياره الأدبي، فعبرا معاً عن برمهما بقوانين المفاضلة وأساليبها، شاكرين الأقدار التي حالت دون متابعة أخويه الأصغرين ، دراستهما الثانوية، وانصرافهما إلى قطاع الأعمال الحرة، ومصالحها المثمرة. في اليوم التالي ، صادفت أم سامح جارتها في المجمع التجاري الكبير الذي افتتح قبل سنتين، في الشارع القريب ، مشتملاً على مجموعة من محال المأكولات والمشروبات والأغذية المتنوعة، فحاولت حرف مسارها عن غاياته ، حتى تتجنب أية فرصة لاسترجاع حوار أمسهما، الذي ترك في نفسها أسى عميقاً، مبلبلاً مشاعرها الفرحة بتخرّج ابنها ، زارعاً في تأملاتها شكوكاً مبهمة الدلالات في جدواه ، لكنها فوجئت بغريمتها في حوار أمسها ، تفتح ذراعيها مانعة تقدمها ، رافعة صوتها بدلال باد، لتقول : ( أين يهرب مني الغالي ؟). امتد حبل حوار جديد بينهما ، كادتا تنسيان في أراجيحه، وقائع أمسهما، حتى إذا استيقظت ذكراها ، في نفس أم سامح ، أعادت لعبة الأخذ والرد ، في محاولة لكسب الجولة، وسرّها تفهّم جارتها لموقفها، وتحوّلها عن تشددها السابق، مما عزز انبثاق مشاعر المودة فيّاضة بالألفة، التي قادتهما إلى شراء قالب كبير من الحلوى، لدعوة عدد من جيرانهما إلى احتفال خاص بالمناسبة . في غمرة الألفة لجأتا إلى المقهى الأنيق الملحق بإحدى زوايا المتجر الكبير الذي يغري زائريه بالبقاء في فنائه وقتاً طويلاً، بأضوائه المتلألئة وألوانه الفاتنة، وراحتا تتابعان حوارهما على جناحي فنجاني القهوة السمراء ، حتى إذا عرضت عليهما قارئة الفنجان العابرة، أن تطلعهما على خبايا فنجان كل منهما، وجدتا الفرصة سانحة لكسب وقت ماتع، تكتشفان على بساطه خطوط الغد والمستقبل ، اللذين يشغلان بال الإنسان عادة، ولشدّ ماأدهشهما وعد القارئة بنجاح باهر ينتظر واحداً من أولادهما تخرّج حديثاً، في قسم أدبي من أقسام كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة. استعادتا في فناء المقهى الصغير، ضحكاتهما الرنانة المعهودة، لكن سرّ معرفة القارئة بخبر نجاح واحد من أولادهما ، ظل يفتح صندوق الكلام ، من لحظة إلى أخرى، موجهاً دفته اتجاهات جديدة، وإذ لاحظتا أن عقارب الساعة العالية المعلقة في صدر المكان، قد غيّرت أوضاعها تغييراً ينذر باقتراب موعد الغداء الذي يجمع شمل العائلة عادة، قررتا ترك دفة الكلام على الطاولة المزركشة ذات الغطاء المطرّز بالنقوش الحديثة، وحث الخطى مسرعتين بما تحملانه من أغراض، إلى منزليهما ، حيث استقبلتا بمودات عائلية، سمحت لكل منهما بسرد وقائع اليوم الجديد، سرداً منسجماً مع فرحتهما بوعد قارئة الفنجان.‏

الفئة: 
الكاتب: 
د. راتب سكر