ضحك عال وعناد عميق

العدد: 
13555
التاريخ: 
الأحد, 23 تشرين الثاني 2008
تتنوع الأشكال التي يتجلى بها الصراع التاريخي بين الخير والشر, ومن تلك الأشكال تصنع الحياة ألوانها وأخبارها, كما يصنع طفل مشاغب يعبث بأوراق مهملة, مراكب وصواريخ, يدّعي أنها تمخر عباب البحار, وتطلق دوياً في الفضاء.

كثير من ظواهر الحياة يأتي منسجماً مع الرؤية العبثية السابقة, خارجاً عن قوانين التاريخ والمجتمع التي طالما تحدّث عنها الفلاسفة وعلماء الاجتماع مؤكدين أن كل شيء يسير بمجراه التاريخي, مستبعدين قدرة العبث على التحكم بمصائر الناس من حين إلى حين. وجد حازم سعادته الغامرة في الاستسلام إلى خدر الاعتقاد بوجود عبث إنساني يلوّن مصائر خطوات البشر, فعلى وسائد مثل هذا الخدر الجميل, يستطيع الركون إلى نوم مطمئن سعيد بأحلامه, دافعاً عن مساحات رؤياه أشواك القلق التي تنبت عادة في حقول تأنيب الضمير الممتدة بين أزمنة الفشل في تحقيق المساعي والمطامح, والخيبات المرة التي تتوج النهايات غير السعيدة عادة . ازداد اعتقاد حازم بقدرة العبث على التحكم بمصائر خطوات الناس على دروب مطامحهم رسوخاً, مع تقدمه على مدارج سنوات العمر, وارتاح بذلك من عذاب تأنيب الضمير ووخذ الشعور بالذنب على تقصير هنا أو هناك, وكلما تذكّر وجود الشر في الحياة ازدادت قدرته على تعليق خيباته على مشاجب جديدة, فعبث الحياة وقدرة الشر المتجسد بسلوك بعض أبناء المجتمع, يتحالفان ليشكّلا مشاجب يعلّق عليها الناس عادة خيباتهم المتكررة في هذا المضمار أو ذاك . هذا الصباح صباح يوم عطلة رسمية, شعر حازم بأهمية استغلال وقته لتنظيف مكتبته المنزلية مما علق في كتبها وأوراقها من غبار, راح يمسحها بأناة وحدب عميقين, متأثراً بما تركه في ظلال السنوات من أوراق صغيرة بين صفحاتها, تحمل ملاحظاته على ما جادت به قريحة هذا الكاتب أو ذاك, من الكتّاب الذين شغف بقراءة كتبهم ذات يوم, أو من الكتّاب الذين أجبر على قراءة كتبهم فيما أجبر عليه من أعمال قادته إلى حقولها واجبات الدراسة والتدريس والوظائف المختلفة التي تنقّل في عربات قطاراتها على خطوط الزمن . أطال توقفه مع بعض قصاصات الورق القديمة التي مالت إلى سمرة يألفها ويحبها, ناسياً حماسته لمسح الغبار وإعادة ترتيب الكتب وفق جداول جديدة حصل عليها من صديق عاد مؤخراً يحمل شهادة عالية في تنظيم المكتبات من جامعات فرنسا. وفي غمرة توقفه مع سمرة أوراقه الصغيرة, راح يعيد ماخطته يداه قبل سنوات من كلمات معبّرة عن حب الحياة والتشبث بقيمة العناد في مواجهة التحديات حتى الظفر بتحقيق السعادة القائمة بالعمل العنيد القادر على هدم أركان اليأس والضعف والخمول,وزرع الكون بالخضرة والفرح والصداقات والحب. كتب على ورقة كبيرة وجدها مستلقية بنشوة على طاولته الصغيرة, باعثاً سلوكه القديم المتصل بالتعليق على أوراق الكتب والحياة من غفوته, سطوراً جديدة تتابعت فيها كلمات قريبة في المعجم دلالة من كلمتي العناد والعنيد اللتين استرجعهما من أوراقه الصغيرة القديمة, وإذ تذكّر ركونه الواهن إلى اعتقاده بقدرة العبث والشر على التأثير في مصائر الناس, ضحك بصوت عال ضحكته المعهودة التي كانت تجد صدى طيباً محبباً لدى زملائه وأصدقائه في الماضي.... آه لقد مر زمن طويل جداً, لم يضحك فيه بصوت عال, شعر برغبة عارمة في الضحك, وإذ أدرك أن كلمتي العناد والعنيد هما السبب في تصالحه مع الضحك الأثير لدى قلبه, وجدته يتابع تصنيف المكتبة جامعاً الكتب التي تغذي مشاعر العناد في مواجهة اليأس والحزن, والتشبث بالفرح والعمل وحب الحياة, واصفاً نفسه في اليوميات التي يكتبها بأنه رجل عنيد.‏

الفئة: 
الكاتب: 
د. راتب سكر