تمتمة ذات أسرار

لاحظ الأستاذ وحيد أن الطالب الجالس في المقعد الأول من قاعة الامتحان, يتمتم كلمات مبهمة بصوت خفيض, فشدد مراقبته له, من دون أن يكتشف سبباً لتمتماته, مما جعل حيرته تزداد, فاتحة أمام خياله الجموح, حقولاً مجنحة الرؤى لصور غير منتهية الخطوط والألوان. توقف الطالب عن تمتمته الصامتة فجأة, وشرع يدفق الكلمات من حبر قلمه.

على بياض ورقة الامتحان دفقاً, حتى انتهى من إجابته عن السؤال الأول, فعاد سيرته الأولى يتمتم كلمات مبهمة بصوت خفيض, تاركاً حيرة الأستاذ المراقب تزداد اشتعالاً. استنفر في مراقبته كل أساليب التمويه التي كان يسمعها من زملائه في غرفة المدرسين, في أوقات الفرص, عندما يتبارون في إظهار مواهب الإيقاع بالطلبة الغشاشين, ومعاقبتهم بالعقوبات المنصوص عنها, في القوانين والأنظمة التعليمية , التي فندت لكل حالة من حالات العمل والنشاط نظاماً محكماً واضحاً. فشل في هذه المرة أيضاً, في اكتشاف أسرار تمتمة الطالب, واستمر يراقبه وهو يتنقل بين حجب التمتمة ودفق كلمات الأجوبة, حتى انتهى الوقت المخصص للامتحان, وغادر الجميع القاعة في هدوء ووقار. ابتعدت به خطواته الرزينة, عن المكان قليلاً, لكنه دار حول نفسه دورتين مبهمتين تشبهان تمتمة الطالب , بسرانيتهما, متخلياً عن شيء من رزانته ووقاره, صارخاً بصوته ويديه, باتجاه ذلك الطالب الذي غدا قريباً من الباب الخارجي لبناء المؤسسة التربوية الحديثة, وسرعان مالبّى النداء الصارخ, وعاد بخطوات رزينة واثقة أدراجه , فدار حوار طويل بينهما, اجتهد فيه الأستاذ وحيد محاولاً كشف أسرار تمتمته السابقة في قاعة الامتحان. كانت دهشته كبيرة, عندما عرف أن الطالب يستعيد بتمتمته في كل مرة درس التاريخ المناسب كاملاً, حتى يكتشف القطعة المطلوبة لجواب السؤال, فطريقة حفظه المعلومات لاتؤمّن له إدراك الإجابة المناسبة منفصلة عن سياق النص الكامل لكل درس. هذه المعرفة أراحته من عناء التفكير بطلاسم تلك التمتمة التي شغلته طوال الساعتين السابقتين, لكنها فتحت في ساحات مخيلته دروباً جديدة إلى مقارنات لاتنتهي, فراح يقارن بين التمتمة الامتحانية السابقة ومايصادفه على مدارج الحياة من تمتمات متنوعة لم تكن تشغله من قبل, غير أن ماحدث معه اليوم, جعله يعيد ترتيب ملاحظاته في هذا المضمار, إذ خشي أن تكون طريقة الحفظ البصم قد هيمنت على مساحات واسعة من حقول العلاقة بين الناس والحياة. ابتعدت به المسافة مجتازاً شوارع مدينته التي يجد متعة فائقة في التنقل بين حاراتها وأمكنتها, وهو مستغرق في قياسات مقارناته, استغراقاً شغله عن التمتع بسمار أبنيتها القديمة وجمال الأشجار التي تعانقها بحنان, كما شغله عن استباق الآخرين إلى التحية والسلام , بل شغله عن رد غير تحية من تحايا كثيرين اعتاد مصادفتهم في غدوّه ورواحه. في غمرة استغراقه المدفوع بصور البشر والكتب والأمكنة ,رأى صورة المرأة التي يحبها, وسمع صوتها يهمس في فضائه, معبراً عن مقتها الحفظ بكل أساليبه وطرقه, مؤكداً أهمية التفهم العميق في بناء المودات والعلاقات الإنسانية الأصيلة, فارتاحت نفسه, وبشت أساريره, وحث خطواته مسرعاً, غير مكترث بضرورات الرزانة والوقار المطلوبين , فهي تنتظره.‏

الفئة: 
الكاتب: 
د. راتب سكر