العمل اليومي الدؤوب !

لاحظ مدير إحدى المدارس الثانوية انتشار الإهمال واللامبالاة الثقافية في سلوك عدد غير قليل من طلابها, فسارع إلى عقد اجتماعات متتالية مع المدرسين والأولياء, للبحث في الطرق المفيدة لمعالجة تلك الظاهرة التي أرقته.

بعد أن كان يظن مايبديه الطلبة من حماسة للثقافة متأصلاً في سلوك كل منهم. امتلأت الاجتماعات المتلاحقة بألوان الوعظ والإرشاد والنصائح, مع فواصل متقطعة من التأنيب المعلن والمضمر, غير أن كل ذلك لم يجد نفعاً, فقد مرّت الأسابيع والشهور من دون تحقيق الأرب, بحصول نهضة ثقافية يحقق فيها الطلاب مطامح المدير, الذي زادته الخيبة إمعاناً في تفنيد ألوان النصح والوعظ والإرشاد, مع تمديد فترات فواصل التأنيب, التي طالت أحياناً المدرسين والأولياء أنفسهم. طالت الحال التي يحث فيها السيد المدير مساعيه من دون جدوى, حتى اضطرته ظروف عيادة أحد أطباء الأسنان المعروفين, إلى قراءة مجلة تربوية مركونة على طاولة الصحف والمجلات التي تزين القاعة, كان انتقال نظراته من صفحة إلى أخرى, يكشف له ماكان يعرفه من أيام الدراسة الجامعية, وأهمله في أروقة الوظيفة والعمل الإداري الذي يجنح عادة إلى إهمال كتب الدراسة الجامعية القديمة, واستبدال القرارات الحاسمة غير القابلة للنقاش والحوار بها.. وجد متعة كبيرة في رحلته إلى الحقول المعرفية التي راحت تتكشف خضرتها أمام ناظريه على صفحات المجلة فنسي السبب الذي دفعه إلى عيادة طبيب الأسنان, الذي بادره بالسؤال عن ذلك السبب عندما حان دوره, ابتسم معبّراً عن شوقه له مدّعياً أنه عرّج للسلام عليه بعد طول غياب, مؤكداً أواصر الصداقة القديمة بينهما, مما أسر قلب الطبيب الذي فرح باستمرار علاقات المودة, في عالم لاينفك يطحنها بقسوته وبلادة ظواهره. عاد مسرعاً إلى مكتبة المركز الثقافي العربي العامرة بالكتب والمجلدات في وسط المدينة التي تترنح على ضفتي نهرها مرتلة بشدو نواعيرها أنغاماً شجيّة. استغرق في قراءة الكتب وقتاً طويلاً, قرر بعده استعارة كتاب قديم كان أثيراً لدى قلبه في أيام الدراسة, وبعد مرور يومين من التقصي والبحث والتفكر, رسم على بياض الورق خطة متنوعة من الأنشطة الثقافية, يشارك فيها الطلاب والمدرسون والأولياء ويسهم فيها عدد من أصحاب القلم والمشتغلين بالعلم والثقافة في المحافظة,وغيرها من مرابع الوطن العزيز. لاقت الخطة المحكمة البناء معارضة شديدة في الاجتماعات اللاحقة للمدرسين والأولياء الذين فضلوا الاستمرار بعمليات الوعظ والنصح والإرشاد, غير أن عناده في طرح الخطة التي توصّل إليها بعد جهد , جعلها أمراً واقعاً على مدارج الأشهر المتبقية من العام الدراسي, ولشدّ ماكان سروره عارماً عندما لاحظ النتائج المرجوّة تظهر أثمارها يانعة منذ تنفيذ اللقاء الثقافي الأول للمدرسة الثانوية,وإقبال الطلبة على تقديم اقتراح بإنجاز مجلة ورقية صغيرة تحمل اسم مدرستهم الثانوية العتيدة وتعنى بما ينجز فيها من نشاط تعليمي وثقافي, وماهي إلا أسابيع حتى استحالت الحياة المدرسية إلى ورشة ثقافية ترفد العملية التعليمية مستفيدة من وجود مكتبة مدرسية عامرة بالكتب القيّمة. صاغ خبرته السابقة , في دفتر صغير, ازدانت صفحاته بالتجارب والعبر, وقدمه إلى المعنيين بالعملية التربوية, وسرعان ماجاءه الردّ ثناء إدارياً يضاف إلى سجله الوظيفي, وقد سره مؤخراً أن يسمع بقرار المعنيين طباعة دفتره في مجلة رصينة تعنى بالشأن التربوي.‏

الفئة: 
الكاتب: