عيد للحب !

العدد: 
13609
التاريخ: 
الثلاثاء, 17 شباط 2009
مع إطلالة شهر شباط لاحت في الأفق رائحة فصل الصيف, فشعر حازم برغبة في التسكع على أرصفة الطرقات الأثيرة لدى قلبه, قرب الضفة اليسرى للنهر الذي تميل المدينة التي يعيش فيها على أنغام نواعيره الشادية.

راح ينقل خطواته الصغيرة, مرسلاً نظرات عينيه إلى الضفة اليمنى من النهر, فراقه أنها أكثر من شقيقتها احتضاناً للخضرة وفنون الطبيعة, وراح يفكر بالتناغم بين الضفتين تفكيراً ملوّن الرؤى قاده إلى تذكّر موعد عيد الحب القريب الذي جعلته مصادفات البشرية يتوسط أقصر شهور السنة. بعد طول تفكير تسرّب الحزن إلى نفسه تحت تأثير خاطر لاح له يفسر وجود عيد للحب وسط أقصر شهر في السنة, وعلاقة هذا التوقيت بقصر عمر الحب نفسه, مما بلبل مشاعر تسكعه بحزن غير منتظر, هو الذي لايتعب من اكتشاف صور الفرح والبهجة على مدارج الوجود. لاحظ أن بعض العصافير والطيور تنتقل بين ضفتي النهر في حبور جميل, مثيرة بالزقزقة والشدو ملاعب من الحوار الخلاق مع الطبيعة الممتدة بسحرها الحادب, فحاول أن يطرد بتنقلها ماتولّد في نفسه من أمارات الحزن السابقة, وراح يترجم زقزقة العصافير بأنها احتفال بعلاقة حب مستمرة بين الضفتين المتلازمتين بجوارهما منذ دهر سحيق. قص خطرات مما يجول في نفسه, على صديق صادفه على تلك الأرصفة التي تحفل بأمثاله من المتسكعين عادة, فأعجب الصديق بما حملته تلك الخطرات من لوحات, لكنه تعجب من وجود عيد للحب, فهو لم يسمع قبل الآن بمثل هذا العيد, لذلك راح يستفسر من صاحبه عما يتصل بفكرته, سارحاً عنه في التفكير بهدية يشتريها في طريق إيابه إلى منزله لزوجته التي تأخر عنها قليلاً, علّه يؤلف قلبها بهذه المناسبة, فقد فطن إلى أثر صروف الأيام بما بات يشوب حواره المنزلي معها, من قسوة, لم يكن لهما عهد بها من قبل. بعد حوار طويل زيّن الصاحبان فكرة وجود عيد للحب, وراح كل منهما يفند للآخر الأسباب التي تجعله يوافق على شراء هدية مناسبة لرفيقة دربه بهذه المناسبة اللطيفة, متوقفاً على أنواع الهدايا وأشكالها وألوان أغلفتها الزاهية المتنوعة, وبين المزاح والجد, انزاحت موجات التفكير الحزين بخمول ذكر الحب, وراح كل منهما يؤكد لصاحبه أن جمرة الحب مشتعلة في صدره, اشتعالاً جعلهما يتبادلان ضرب الكف على الكف مصادقة على أهمية الحب في حياة كل منهما. في غمرة حوارهما المحمول على خطواتهما المتسكعة, انضم إليهم صديق ثالث, شجعه فضوله على سؤالهما عما يشغلهما من شؤون الدنيا, وهما يتحاوران بحماسة بادية, مشاركين حركات أيديهما في التعبير عن أفكارهما, فقصّا على الصاحب الجديد قصتهما مع الحب وعيده, قصّا سرب الملل إلى نفسه سريعاً,مما جعله يقاطعهما بالاعتذار عن تركهما لشأنهما بسبب مشاغله الكثيرة, ولم ينس قبل افتراقه عنهما التعبير عن استغرابه الحديث عن الحب, متسائلاً وهو يسحب خطواته مبتعداً عن المكان: (سمعت بوجود عيد قريب, ولكن ماعلاقة الحب بالموضوع؟). كاد تساؤله يخفف شيئاً من حماستهما السابقة, لكنهما استعاداها بخفة ورشاقة, ومضيا معاً إلى سوق الهدايا القريب. عاد إلى منزله هاشاً باشاً, وقصَّ على رفيقة دربه رؤياه, مقدماً هديته التي تحتضنها كومة من الأوراق الحمراء والخضراء والصفراء, فعبّرت عن سرورها بذلك وتجنبت تأنيبه على تأخره في التسكع هذه المرة, بل راحت تتحدث عن فضائل التسكع داعمة وجهة نظرها بغير رأي من آراء المفكرين والمثقفين والفنانين الذين تصغي إلى أحاديثهم على أثير الفضائيات الحديثة, من حين إلى حين.‏

الفئة: 
الكاتب: 
د. راتب سكر