ضحك ولعب وجد..!

يعاني نبيل من سوء تكيف قديم, في علاقاته المهنية والاجتماعية, حاول معالجته بأنماط متنوعة من السلوك اليومي المعتمد على مهارات من ردات الأفعال المتلاحقة في تبدلاتها وتغيّراتها, غير أنه لم يفلح في مسعاه, وراحت أمواج الحياة العالية, تتقاذفه من لجة إلى لجة, حتى كادت عبارة (إني أغرق!), تصبح نشيده اليومي. كان يسمعها صادحة على شفاه كثيرة, من حين إلى .

حين, تلك العبارة التي كتبها, في سياق مختلف, ذات اليوم, الشاعر نزار قباني, وغدت شهيرة بفضل صوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ, فيظنها لسان أحوال تشبه حاله, مما يهدئ من روعه قليلاً, مطمئناً قلقه , بتشابهه الموهوم مع كثيرين على دروب الحياة. لم يمنح الله وجه نبيل إشراقة الابتسامة التي تسهل له الطريق إلى قلوب زملائه, الذين ظلوا طوال مرحلة الطفولة والمراهقة يلقبونه بعاقد الحاجبين. لم يكن لقبه يسبب له حرجاً في البداية, إذ كان يضحك في سره , عندما يوازنه بألقاب بعض زملائه وأصحابه, فيراه مبعثاً للاعتزاز والفخر, غير أن منافسيه المتلاحقين في أروقة الوظائف التي تنقّل على عرباتها, راحوا يستخدمون دلالات لقبه النفسية, ويدرجونها ضمن ملفات حججهم وبراهينهم لإقصائه من طريقهم, معتمدين على أهمية معيار الإقصاء في التنافس الوظيفي والاجتماعي. مضى زمن طويل على تنقّله المتنوع على مدارج الوظيفة والحياة , التقى فيه بعدد غير قليل من الزملاء والأصدقاء الجدد, من دون أن يعلم السر في اكتشافهم لقبه القديم, كل مرة, وقد ظل طويلاً يظن أن واحداً من الزملاء القدامى يترصد خطواته, ويخبر أصحاب الأمكنة التي يحلّ فيها بأنه عاقد الحاجبين. كان شعوره بوجود من يترصده, يسبب له قلقاً عميقاً, وقد تورط مرة فدفع مبلغاً من المال لساحر ادعى أنه قادر على فك رصد المترصد, وإبداله دعاء باليسر والدعاية الحميدة. لايعرف إذا كانت حاله الجديدة في الوظيفة التي انتقل إليها في العام الماضي, قد تحققت بفعل ذلك الساحر, فهو يميل إلى تفسير الحياة بالعلم وقوانينه, ويقلّل من تأثير السحرة في سلوك الناس. في الوظيفة الجديدة صار يضحك ضحكات مميزة, برنين صوتها العالي, بعد كل حوار مع المشرفين على مفاصل العمل, ويزداد رنين ضحكته علواً في اجتماعات العمل الطويلة التي يعقدها أولئك المشرفون, إذ يشعر أن وقارهم مصطنع وأنهم غير جادين في تنفيذ الشعارات التي يرفعونها, والخطط التي يرسمونها, فيقابل التناقض بين أفعالهم وأقوالهم بضحكات مبهمة الدلالات والمعاني, مما جعل المشرفين على مفاصل العمل يعيرونه بمعايب شتى, ويصفونه بصفات تنال من قيمة مرتبته في الوظيفة, فمن قائل إنه ساخر غير جدي, إلى قائل إنه عبثي لايقيم وزناً لخطط العمل وشعارات الوظيفة, إلى قائل بأنه لايعرف من الحياة, التي تحتاج إلى الجد الكبير, غير الضحك واللعب.. صارت تهمة السخرية والعبثية تقض مضجعه وتعكر صفو أحلامه, فيتمنى لو يسترد القدرة على التخلص من ضحكاته ليعود عاقد الحاجبين من جديد.. وفي زحمة تمنياته , راح يركب الجمل المفيدة من عبارات الأصدقاء والخصوم, فوجد أنه كلمات: ضحك ولعب وجد, ينقصها كلمة مفقودة, لابدَّ منها كي تكون الجمل مفيدة, والحياة جميلة.‏

الفئة: 
الكاتب: 
د. راتب سكر