هذه المجالس...!

العدد: 
13798
التاريخ: 
الاثنين, 23 تشرين الثاني 2009
حثّ الحكماء والعقلاء وعلماء وأطبّاء النفس على الترويح عن النفس عند الملل، والراحة عند التعب.

لأنّ الأعمال المتكرّرة المعتادة، حتى وإن كانت في السعي لطلب الرزق، لابدَّ أن يتسرّب إلى نفس صاحبها الملل، ولأنّ في التغيير تصفية للنفس، وإزالة للضجر، وقضاء على التراخي والكسل، وفيه أيضاً إعطاء دفعة جديدة قويّة للروح، وفيه تفريج للهمّ، وإدخال للبهجة على الصدر.‏

ولقد شهدتُ حرص الآباء والأجداد على حضور تلك المجالس، التي كانت وماتزال تسمّى «بالمضافات أو دور السهرة»، حيث يجتمع الأقران في السنّ من أبناء الحيّ، ومن الأصحاب الذين هم في شغلٍ دائمٍ في أثناء النهار.‏

وهذه الأمكنة على الأغلب تكون بسيطة في بنائها وفرشها، بيدَ أنّها ورغم بساطة شكلها وأثاثها، أحَبُّ إلى قلوب ونفوس روّادها من القصور المنيفة، والقاعات المزخرفة ذات الرياش والطنافس و«الديكور» الباهظ الثمن، إذ فيها يجدون الراحة والسمر والأُنس في أحاديث الأصحاب والأصدقاء.‏

وهذه الأحاديث تأتي عفو الخاطر، لاتكلّف ولاتقعّر فيها، وهي تنتقل من موضوع إلى آخر ومن فرحٍ إلى حزن، فهذا يروي عن مصيبته بفقدان أحبته، وآخر يروي كيف تعب كثيراً وشقي في شبابه حتى صار إلى حاله التي هو عليها، وثالث عن بساطة الحياة ورخص الأسعار، إلى غير ذلك من أحاديث متنوعة لارابط ينظمها.‏

لكن الحديث في هذه المجالس، يخضع في كثير من الأحيان إلى نوعية الحاضرين، الذين يديرون الحديث العفوي غير المعدّ أو المشذّب والمنسّق، ويطرأ على هذا الحديث تعرّجاتٌ وتشعّبات فهذه قصة تذكّرها أحد الجالسين، وأتحف الحاضرين بها، وهذا مثل قديم يؤكد ثانٍ على صدق مطابقته لواقع الحال، وبلاغة الأجداد في صياغته، وثالث يروي أبياتاً من الشعر خطرت على باله، وتلك حكمة انطلقت من رابع هلّل لها الحاضرون، وهكذا تستمر السهرة.‏

إنّ الآباء والأجداد -على مايبدو- كانوا أكثر منّا معرفة بفائدة النهل من عصير الأفكار المختلفة، عند تقابل الرجال، وهوعصير مليء بالفيتامينات التي نحتاج إليها أكثر في عصرنا هذا..!‏

وكأنّ حضور مجالس المسامرة والاستماع لما يقال فيها، هو بمثابة الحضور إلى عيادة نفسية مجانيّة، يجدها المتردّد عليها متى مااحتاج إليها دون نفقة للكشف الطبّي أو ثمن يدفع للوصفة الطبيّة التي تغصّ بأسماء الأدوية!‏

وقد يكون كتاب «الإمتاع والمؤانسة» للكاتب المتميز والشهير «أبي حيّان التوحيدي» أفضل الكتب التي عُنيتْ بهذا الموضوع، وبشكلٍ مفصّلٍ ومستفيض.‏

فقد ورد فيه أنّ الخليفة الأموي الشهير «عبد الملك بن مروان» قال مرةً لبعض جلسائه:‏

«قد قضيتُ الوطر من كلّ شيء إلا من مجالسة الإخوان في الليالي الزهر، على التلال العفر».‏

وقال أيضاً: «سمعت «ابن السرّاج» يقول: دخلنا على ابن الرومي» علي بن العبّاس- الشاعر العباسي المشهور بوصفه وجمال شعره- في مرضه الذي قضى فيه، فأنشدنا:‏

ولقد سئمتُ مآربي فكأنَّ أطيبها خبيثْ‏

إلّا الحديث فإنّه مثل اسمه أبداً حديثْ‏

وهذا حقٌ وصواب، لأنّ الإنسان بفطرته يأنس من اجتماعه إلى غيره من بني جنسه، بل إنّ تسمية الإنسان بهذا الاسم جاء من الأُنس- كما ورد في كتب اللغة.‏

هذه دعوة لإحياء مجالس السمر- العيادة النفسية المجانيّة، فهي تقليد أصيل يُخشى عليه من الاندثار والغياب، أمام سيطرة مفرّق الجماعات وسارق أغلى وأثمن مايملك كلّ إنسان، التلفزيون وقنواته الفضائية العديدة التي شغلت معظم الناس في هذا العصر، والتي يغلب غثُّها سمينَها...!‏

الكاتب: 
أحمد بشار بركات