لاغنى للإنسان عنه...!

العدد: 
13802
التاريخ: 
السبت, 28 تشرين الثاني 2009
حافلٌ بكل عجيبٍ وغريب، يجد بغيته فيه كلّ عالم وأديب، لأنه حقّاً عالَمٌ رحيب! إنّه الكتاب، حامل النور والعلم والهدى والخير والسعد.

إنّه الكتاب: الوعاء الثمين، الذي يضمّ في حناياه وبين جنباته العلوم والمعارف والآداب والفلسفة والحكمة.‏

إنّه نبعٌ ثرٌّ صافٍ، يفيض ولايغيض، ويروي عذباً فراتاً لا أهنأ ولاأطيب، وفيه الريّ والنماء والبهاء والرواء.‏

به جلاء العقول، وشحذ الذهن، وإحياء القلب، يمتع في الخلوة، ويؤنس في الوحشة، يضحك بنوادره، ويسرّ بغرائبه،ويعطي ولايأخذ.‏

هو الكتاب، يحمل إلينا عصارة البشرية، ويجعلنا شركاء للفلاسفة في أفكارهم، وللشعراء في أخيلتهم، وللعشاق المحبّين في نشوتهم.‏

ورغم هذا كله- نجد- مع الأسف والأسى- الإنكار وجحود الفضل من غالبية شبابنا في هذه الآونة، فلم يعد جزاء الإحسان هو الإحسان، بل انعكست وقلبت المفاهيم والموازين واستشرت الأدواء، ولم يعدْ يجدي فيها دواء..!‏

هو الخطر الحقيقي يداهمنا بضراوة وشراسة، ولاحصونَ ولاقلاع ولاسلاح.‏

وكثيراً مانقرأ وتغزو أسماعنا أقوال وتصريحات، تدعونا إلى الاستيقاظ من سبات عميق فهي كالطبول تصدر أصواتاً وتحدث ضوضاء ثقيلة ومزعجة، أضف إلى هذا ظاهرة التلوث السمعي وانعكاس ذلك كله على حالة القارئ والسامع النفسية!‏

من هذه الأقوال والتصريحات التي تصدر عن مثقفين وأدباء، لهم حضور وشهرة، قول أحدهم: «لقد تنحّى الكتاب عن عرشه، وترك صولجانه للتلفاز والمحطات الفضائية وللانترنت إلخ، وبخاصة المحطات الفضائية التي استشرت كالداء الخطر المخيف.‏

وحقيقة مرة جداً الاعتراف بأنّ الكتاب لم يعد خير جليس، كما كان في العهد الأول، وإلى عهدٍ ليس منّا ببعيد، إذ انفضّ من حوله محبّوه وندماؤه، ومن ثم أصبح جليساً للغبار المتراكم فوق رفوف المكتبات، التي هي بدورها أصبحت زينة وتفاخراً و«ديكوراً» منزلياً مكملاً ليس غير!‏

وأسئلة تقفز إلى الذهن متسارعة مؤرّقة، تبعث الشجن والأسف!‏

منها: هل حقّاً صار الكتاب ترفاً في حياتنا بعد أن كان ضرورة لاغنى عنها.‏

وهل أصبح سلعة تجارية لاتحظى إلا بأبخس الأثمان قياساً بما يدفع في السلع الأخرى وهل -حقيقة- تحوّل الإنسان في أوطاننا إلى باحث عن رغيف خبز فقط، وهو -لهذا- لايجد مايكفي لشراء كتابه!‏

وأسئلة أخرى حول الأزمة نفسها، ليس سوى أسباب ونتائج لآفة خطيرة تعيشها مجتمعاتنا، وأخص بالذكر منها شريحة الشباب، هي البعد عن المطالعة والعزوف عن اقتناء الكتاب!‏

بالصراحة كلها أقول: هذه الحال لاتبشّر بخير، ولاتدعو إلى تفاؤل، فالأمّة التي تقرأ هي وحدها التي ترقى، فما الذي حدث وكيف ولماذا؟‏

ألم نك أمة «إقرأ» التي كانت أول التنزيل الحكيم على رسول العرب والمسلمين والناس أجمعين؟‏

إذاً المشكلة خطرة جداً حقاً، وتظهر خطورتها بوضوح للعيان إذا أمعنّا النظر في الكيفية التي يقضي بها شبابنا أوقات فراغهم.‏

إنّ غياب الكتاب عن الوقت الثمين، يعني غياب الوعي واضمحلال المعرفة، ومن ثمّ مايترتّب على ذلك من سلبيات كثيرة أهمها قتل الوقت في أمور تقود إلى انحراف خطر لاتحمد عقباه.‏

أقول بحزنٍ شديد، إننا إن بقينا كما نحن على هذا الحال، سنفقد الأجيال التي نتحدث عن دورها في بناء المستقبل.‏

وبما أنّني لست من المتشائمين اليائسين رغم كلّ ماذكرت، فأرى أنه لم يعد أمامنا- -في هذا الوقت على الأقل- إلا الأطفال، لنغرس في عقولهم حبّ القراءة، ولنكرّر على مسامعهم- حتى لاينسوا- أنّ الكتاب هو الصديق الأوفى والأنقى والأرقى.‏

لعلّ وعسى، إن فعلنا وأخلصنا في السعي، أن نتمكن من إنقاذ ماتبقّى، ونحمي السفينة ومن عليها!.‏

الكاتب: 
أحمد بشار بركات