حتى الميراث الإنساني ..!

العدد: 
13807
التاريخ: 
الأربعاء, 9 كانون الأول 2009
عجيبٌ أمرُ الإنسان المعاصر في هذا العالم اليوم, وكم هو متناقضٌ ومستغرب, بل ومستقبح ومستهجن في أحيان كثيرة.

فنحن نسمع ونقرأ عن اهتمامات المنظمات العالمية والمؤسسات البحثية العلمية, بدعم الكشوف الأثرية, ووضع برامج لحفظها وصيانتها والاستفادة منها في البحث العلمي, في وقتٍ تزايدت فيه – في هذه الأيام خاصة- الجرائم ضد الآثار, مثل سرقتها أو الاتّجار غير المشروع فيها, أو تعريضها لخطر الدمار عمداً!‏

ومن أمثلة ماقرأتُ عن إجراءاتٍ فاعلة من أجل حفظ الآثار وصيانتها وترميمها, تقويم برج بيزا المائل في إيطاليا, هذا الأثر التاريخي العجيب, وكذلك قيام منظمة (اليونسكو) بتنظيم برنامج لإنقاذ مجموعة أعمال الرسام العالمي الشهير(ريمبرانت) المكوّنة من أكثر مايزيد عن ستمائة لوحة معدنية محفورة , والأمثلة كثيرة في معظم دول العالم.‏

والمحزن والمؤسف أنّه في الوقت ذاته الذي نقرأ ونسمع فيه عن الجهود المبذولة من أجل المحافظة على الآثار وتراث الشعوب, حيث نرى القائمين بهذا الجهد العظيم قد أسقطوا انتماءاتهم الخصوصية, ليعملوا جميعاً من أجل رعاية ماخلّفته البشرية منذ الأزمنة القديمة.‏

في هذا الوقت نجد الموقف المناقض بشدّة, حيث الانتهاكات الصارخة لحقوق الدول في حفظ تراثها الإنساني وخاصة في الدول العربية ( كالعراق وفلسطين) فقد امتدّت خرائب الحروب لتنال من الثقافة التراثية, فتهدّم معالمها وتطمس جواهرها, وتمحي رموزها, مفوّتة على الباحثين والدارسين معطيات ثقافية وتراثية هم في أشدّ الحاجة إليها, للتعرّف على سيرورة الحياة البشرية, وماكانت عليه الأمم الغابرة , وكم في دروس التاريخ من فوائد وعظاتٍ وعبرٍ كثيرة !‏

إنّ ذاكرة التاريخ لن تنسى أبداً ماقامت به الحكومة الإسرائيلية, بل ماتقوم به الآن أيضاً بكل عنادٍ وتعنّتٍ ووحشية, من نبش القبور الأثرية في فلسطين المحتلة, إضافة إلى ماتعرّض له - ومايزال- المسجد الأقصى المبارك, والمنطقة المحيطة به من محاولات التخريب والهدم, بدعاوى باطلة منها إعادة بناء هيكل النبي سليمان (عليه السلام).‏

إنّ التاريخ لاينسى, وهو ذو ذاكرة قويّة في الحفظ, وهو يذكر الخير والشرّ, ولكن شتّان بين الذكرين وشتّان بين من يعمّر ويصون ويحفظ, وبين الذي يهدم ويفرّط ويضيّع ويخرّب, ويعيث فساداً في الأرض, ومؤسف ومحزن للعالم المتحضر مدّعي الإنسانية والمحافظة عليها وعلى تراثها, أن يغضّ الطرف ويسكت عن مجموعة من البشر – اسماً – هي في حقيقتها أشدّ وحشية وهمجيّة من الوحوش الكاسرة, لأنَّ المرء العاقل يستبعد ويستهجن ويستنكر أن يقوم إنسانٌ بالقضاء على ميراث الإنسانية.‏

إنّ الجاني والساكت عن الجريمة كلاهما مسؤول أمام التاريخ والأجيال القادمة, لأن أقلّ وصفٍ ينطبق عليهم في هذا أنّهم كانوا ( شياطين خُرْسَاً) والعياذ بالله..!‏

الكاتب: 
أحمد بشار بركات