ابنة خالتي الأثيوبية

العدد: 
13843
التاريخ: 
الاثنين, 1 شباط 2010
انقطع عبد الله عن الكتابة في الصحافة منذ أشهر خلت, طلب منه صديق له غدا مديراً لصحيفة المحافظة التي يعيش فيها, أن يكتب مقالة يسوّغ فيها انقطاعه ذاك, غير أن طارئاً قد طرأ, بدّل مسيرة الكلمات على حبال السطور, فوجدته يتابع صور الشاشة الصغيرة منذ مساء الخامس والعشرين من كانون الثاني 2010 الجاري, مقلّباً يده الصغيرة بين المحطات المتباعدة..

مدارياً ماراح يكوي كيانه البسيط من فِكر تحتاج كل منها إلى مؤتمرات دولية وعالمية لتفسيرها ومناقشتها.‏

ثمّة فتاة أثيوبية تندب بلغة لايفهمها, علم بإشارات يديها اللتين راحتا تمسكان بشعرها المجعد على الطريقة الإفريقية, أنها فقدت عزيزاً في حادث الطائرة التي تحطمت قبالة شاطئ بيروت, وعلى متنها تسعون راكباً, بينهم أربعة وخمسون لبنانياً, فراح يهذي بلغة لم يفهمها صحبه الذين يشاركونه هم مشاهدة التلفاز وأخباره,حتى اضطرت سيدة منهم إلى القول: ( جن الفتى.. فهو يهذي بالأثيوبي !).‏

لم يعرف سبب استحضاره صورة السندية العجماء التي ذكرها جماعة من أهل البصرة في خبر وفاة الشاعر بشار بن برد, عندما قالوا في الخبر الذي أورده أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني: (أخرجت جنازته, فما تبعها أحد, إلا أمة له سوداء, سندية عجماء ماتفصح).‏

قالت المذيعة إن الأثيوبية النادبة فقدت ابنة خالتها التي كانت تعمل معها في لبنان, فزادت العبارة من قسوة تفاعله مع الخبر, هو الذي ظل يكتب في دفاتره سنوات طويلة,عن مكانة الخالات في حيوات البشر, ووجدته يدخل في حوارات مخنوقة الكلمات عن الخالات وأولادهن, وضحايا حوادث الطائرات, وضحايا الحروب,-‏

فكر لحظة, ثم تساءل عن دلالة الحروب في هذا المقام- وعن لبنان الأخضر العظيم, الذي ينهض في كل مرّة من موت يحاصره, في البر أو البحر أو الجو, ليرتل مع سيدته العظيمة فيروز للحب والحياة, كأنه طائر الفينيق..‏

رافق صوت المذيعة صور شاطئ خلدة, إلى الجنوب من بيروت, متداخلاً مع أصوات المتحاورين من مسؤولين وركاب تخلوا عن رغباتهم في السفر قبل إقلاع الطائرة بقليل, ومن بشر افترشوا أرض المطار يسألون عن مصائر أولادهم أو أقربائهم,الذين صعدوا سلّم الطائرة على أمل اللقاء بعد حين, من دون أن يعلموا شيئاً عن هذه الساعة التي هي الآن حاضرة بدموعها وحيرتها ولوبانها بحثاً عن الأمل والرجاء..‏

قالت المذيعة إن الأثيوبية النادبة فقدت ابنة خالتها.. وتداخلت الأصوات حتى شعر عبد الله بثقل الدنيا على رأسه الصغير, وكان حتى هذه الساعة يصرخ ياأمي إذا دهمته واقعة, فوجدته يحادث رفاق السهرة عن موقع الخالة من الأم, وموقعهما من الأبناء, فيهدأ قليلاً, متذكراً أن لبنان الأخضر العظيم, ينهض في كل مرّة من موت يحاصره, في البر أو البحر أو الجو, ليرتل مع سيدته العظيمة فيروز للحب والحياة, كأنه طائر الفينيق.‏

الفئة: 
الكاتب: 
راتب سكر